يوم النكبة في ذكراها السبعين : حدث مستمر لا مناسبة موسمية

(معراج) – تحلّ الذكرى السبعون للنكبة الفلسطينية هذا العام والقضية الفلسطينية تمر في إحدى أسوأ حالاتها: قيادة فلسطينية هزيلة، انقسام فلسطيني داخلي، انصراف عربي عن الهم الفلسطيني، بل وانقلاب بعض الأطراف ضد الفلسطينيين، وهيمنة لليمين المتطرف على السياسة الإسرائيلية، تدعمه إدارة أميركية منحازة للتوجهات الإسرائيلية وقررت نقل سفارتها إلى القدس المحتلة تزامناً مع ذكرى نكبة الفلسطينيين.

ولا تزال النكبة، التي أسفرت عن اقتلاع نحو 750 ألف فلسطيني من أرضهم وتدمير منازلهم وإعلان قيام دولة استيطانية صهيونية، ذات تأثير مستمر على واقع العالم العربي والشرق أوسطي. وأجرت “العربي الجديد” سلسلة من الحوارات مع أكاديميين وناشطين فلسطينيين وبريطانيين، لتقصي تأثير النكبة الفلسطينية بعد سبعة عقود من وقوعها، وكيفية التفاعل العربي والبريطاني معها ومع حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

وتأتي أهمية النكبة، وفقاً للمحاضر في الحقوق في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، الدكتور نمر سلطاني، من أنها حدث مؤسس للوعي الجماعي الفلسطيني والعربي. فهي ليست مجرد فعل ماض وإنما سيرورة مستمرة، لأنها لا تزال تلقي بظلالها السياسية والمادية والإنسانية والرمزية على الشعب الفلسطيني كأفراد وكشعب حتى يومنا هذا. ويلفت سلطاني في حديثه مع “العربي الجديد”، إلى أنه “لا يمكن قراءة التاريخ العربي الحديث في المنطقة بدون التطرق إلى النكبة”. ويضيف “لكي نفهم النكبة كحدث مستمر وكماضٍ حاضر، علينا أن نقارب أسئلة كثيرة في القانون والعلاقات الدولية والنظام العربي حول الوسائل والسياسات التي تعيد إنتاج الهزيمة وتمنع الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم وتشرعن سلب أراضيهم وتقوم بتبرير الأمر الواقع”.

ويرى حمود أن اللاجئين الفلسطينيين عموماً يعيشون وضعاً هو الأسوأ على الإطلاق “فالوضع المتوتر في لبنان يجعل من اللاجئين الفلسطينيين هناك ضحية أي تطور أمني أو سياسي، فيما جوانب مهمة في حياة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن لا تزال قاتمة، وبالأخص اللاجئين مثل سكان مخيم غزة بعد التطورات الاجتماعية والاقتصادية في البلد والتي فرضت عليهم واقعاً أقسى من السابق. تضاف إلى ذلك حالة مجتمع اللاجئين في غزة الذي يعيش واقع الحصار منذ 11 عاماً واضطراره للمطالبة بحق العودة بصدره العاري على الشريط الفاصل مع الاحتلال، الأمر الذي كلفه دماء كثيرة دون التفات من المجتمع الدولي إلى أصالة المطلب وحقيقة الواقع الحالي. والأمر ليس أفضل حالاً في مخيمات الضفة التي لا تزال تعاني الإغلاق والحواجز العسكرية والمداهمات والتضييق من قبل الاحتلال”.ويرى سلطاني أن النقاش الدائر في الأكاديميا والإعلام الغربيين حول نكبة الشعب الفلسطيني يقتصر على الحديث عن نكسة عام 1967، ويتجنب الإشارة إلى نكبة 1948. فغالباً ما يتمّ حجب المعلومات ودرء النقاش إما بسبب جهل أو تجنباً لسخط مناصري إسرائيل الذين يحوّلون الموضوع إلى “مثير للجدل” و”سياسي” بدلاً من أكاديمي. ولكن الأهم من ذلك أن إثارة موضوع النكبة يعني طرح أسئلة صعبة من ناحية حول شرعية وجود إسرائيل ومن ناحية أخرى عن مساهمة النظام الدولي في ما حدث وبشكل خاص دور الدول الإمبريالية، بريطانيا والولايات المتحدة، في ما حدث منذئذٍ. وكذلك عن طبيعة أنظمة استيطانية، مثل أميركا، التي قامت بسلوك مشابه، أي طرد السكان الأصليين وسلب أراضيهم. لذلك نجد أن الكثيرين يفضّلون الحديث عن الاحتلال في يونيو/ حزيران 1967. وذلك لأن الحرب أسست إسرائيل ككيان دائم، والحديث عنها وعن مخالفات حقوق الإنسان لا يتطلب تناول شرعية إسرائيل. وهذا بالطبع طرح واهم ومغلوط، لأنه يفصل بشكل اعتباطي ولا تاريخي بين 1948 و1967 رغم الامتداد التاريخي بينهما وكون الثانية نتيجة للأولى على العديد من الأصعدة.

أما مركز العودة الفلسطيني، والذي يتخذ من لندن مقراً له، فيتعامل مع النكبة على أنها حدث مستمر وليس مناسبة موسمية، ولذلك ينصب نشاط المركز منذ 22 عاماً على أساس مفهوم النكبة المستمرة للشعب الفلسطيني، وفقاً لمديره طارق حمود. إلا أن حمود يرى أن هذه الذكرى تحمل خصوصية معينة من خلال الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للاحتلال، إضافة إلى توقيت موعد افتتاح السفارة الأميركية فيها.

أما أوضاع فلسطينيي سورية في ذكرى النكبة فلا تزال تتفاقم منذ عام 2011، وهو مشهد مأساوي عكس، عبر سبع سنوات مرارة اللجوء، حقيقة الوضع الهش للاجئين الفلسطينيين هناك في مختلف المناطق من الناحية القانونية والحقوقية، واليوم يشهد مخيم اليرموك تهجيراً هو المرحلة الأخيرة من مسلسل تدمير الهوية الفلسطينية هناك الذي بدأ مع بداية الحرب السورية الممتدة والمستمرة.

ويرى حمود أن الوضع الفلسطيني الحالي يعاني بشكل استثنائي. على الصعيد الداخلي، الوضع في أعمق حالات الفرقة، وتحقيق مصالحة وطنية محكوم بتوازنات لا يبدو تحقيقها ممكناً في المرحلة الحالية. أما على الصعيد الإقليمي، فيبدو الوضع بائساً، لأنه للمرة الأولى في تاريخ القضية تتحول كافة الدول الإقليمية تقريباً لخصم للكل الفلسطيني بمختلف أطيافه. ويلفت إلى أن الدور الأميركي الجديد ومتعلقات صفقة القرن والظروف الداخلية لدول إقليمية كبرى خلفت معادلة نادرة عربياً تحاول التخلص من العبء الفلسطيني بدون الاعتماد على أي طرف ما في المشهد الفلسطيني وإنما من خلال تصعيد الخصومة وفرض أمر واقع على الطبقة السياسية الفلسطينية الحاكمة بغض النظر عن اصطفافها الاستراتيجي، وهذا يضع الحالة الفلسطينية أمام واحدة من أعقد معادلات السياسة التي واجهتها على الصعيد العربي منذ النكبة حتى اليوم.
وفي معرض تقييمه للتضامن مع القضية الفلسطينية، يعتقد حمود أن التضامن العربي والأوروبي مع الفلسطينيين بالعادة يعتمد على طبيعة الحدث القائم في فلسطين، وبالتالي هو يتصاعد وينخفض وفقاً لمعطيات الواقع الفلسطيني في الداخل. اليوم مع حالة الاضطراب التي تضرب المنطقة العربية منذ بداية الربيع العربي، بات الاهتمام بالقضايا المحلية ذو أولوية خاصة لدى المتضامنين العرب على وجه الخصوص. أما على الصعيد الأوروبي، فربما الوضع أفضل حالاً، لكن تحديات العمل في البيئة الحاضنة للمشروع الصهيوني سياسياً تبقى قائمة من حيث قوة اللوبي الصهيوني الداعم لإٍسرائيل.

ويوافق مدير حملة التضامن مع فلسطين البريطانية، بن جمال، على هذا الرأي. فهر يرى أن “حملة التضامن مع فلسطين، مثل غيرها من حملات التضامن العالمية، تواجه جهوداً تهدف لكبح النشاط السلمي الداعم لحقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين. فالعام الماضي نجحت الحملة في انتزاع نصر من المحاكم البريطانية ضد محاولة الحكومة منع المجالس البلدية من عدم استثمار أموال هذه المجالس في شركات متورطة في الاحتلال الاسرائيلي”.

ويوضح جمال أن هناك “جهوداً مستمرة للحد من أهمية الانتقادات الموجهة للنظام القمعي الإسرائيلي، بما فيها تسمية النظام باسمه الحقيقي كشكل من أشكال الفصل العنصري”.

أما في ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين، فترى الحملة أن حقوقهم ستسترد في حال “الاعتراف التام بحقهم في العودة، وعندما تفكك إسرائيل حصارها غير القانوني على قطاع غزة والذي استمر لعقد من الزمان، وعندما تنهي إسرائيل احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية، وعندما تتخلص إسرائيل من نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين سواء داخلها أو في الأراضي المحتلة”.

وتشهد العاصمة البريطانية عدداً من الفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة وفي الشتات بهدف تسليط الضوء على الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون. وتشمل هذه الفعاليات عدداً من التظاهرات أمام سفارة دولة الاحتلال في لندن، على غرار ما حصل يوم الجمعة الماضي، وأمام البرلمان البريطاني أمس. كما سيشهد البرلمان البريطاني نقاشات بحضور عدد من النواب البريطانيين والنخب السياسية والحقوقية والإعلامية لمناقشة موضوع النكبة والتداعيات التي تحيط بالشعب الفلسطيني هذا العام. وفق العربي الجديد

وكالة معراج للأنباء

التعاليق: 0