بقلم: الإمام يخشى الله منصور
يحمل القرآن الكريم تحذيرا صارما بشأن مصير أي دولة حين تنتقل مقاليد الحكم إلى نخب مترفة تنغمس في الرفاه، لكنها تهمل ميزان العدل وتتنكّر للقيم الإلهية. يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (سورةالإسراء: 16)
وفي تفسيره «تفسير القرآن العظيم»، يوضح الإمام ابن كثير أن قوله تعالى «أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» يشير إلى توجيه الأمر الإلهي إلى كبار القوم وأصحاب النفوذ والسلطة بإقامة الطاعة وترسيخ العدل. غير أن تمرّدهم على هذا الأمر ورفضهم الالتزام به يفتح الباب حتمًا أمام الفساد الاجتماعي والانهيار السياسي.
قراءة المزيد: فلسطين و مجلس السلام : حقوق غير قابلة للتفاوض
وفي نفس السياق، يؤكد الإمام الطبري أن المترفّين هم أصحاب الثروة والنفوذ هم الذين يتحمّلون العبءَ الأكبر في مصير الأمم. فكل انحراف في استعمال السلطة على أيديهم يثمر آثارا منهجيّة تتغلغل في كل طبقات المجتمع.
وبناء عليه، لا يعتد انهيار دولة إلى ذنب فردي بسيط، بل هو نتاج الفسق المتأصل في النظام السياسي، ثقافة الحكم، والسياسات العامة التي طُبِّقت وتركت دون محاسبة لفترة طويلة.
ومن منظور آخر، يقرأ سيد قطب في «في ظلال القرآن» هذه الآية كـ نقد لاذع للحضارة المادية، حيث إن الترف المنفصل عن القيم الروحية يولد هيمنة متكبّرة تقوّضُ الدولة من داخلها وتدفعها نحو الهاوية
وإذا ما أُدرِج هذا المنظور اللاهوتي في قراءة التاريخ الحديث، فإن الولايات المتحدة تُعد دراسة حالة ملفتة ومعقدة في آنٍ واحد. فهذه القوة العظمى قامت على أرضٍ اكتُسبت عبر الحرب، المصادرة، والإبادة المنظمة للسكان الأصليين في قارة أمريكا، تحديدا قبائل الهنود الحمر.
قراءة المزيد: آيات كونية في غزة
يوثّق المؤرخ كلاوديو ساونت في كتابه Unworthy Republic: The Dispossession of Native Americans and the Road to Indian Territory (2020) أن سياسة التهجير القسري بحق القبائل الهندية المعروفة باسم درب الدموع (Trail of Tears) مثّلت شكلًا من التطهير العرقي المُشرعن رسميًا من قبل الدولة.
وفي السياق ذاته، يكشف إيه. روجر إيكيرش في كتابه Bound for America (1987) كيف قامت بريطانيا بنفي ما يقارب خمسين ألف سجين إلى المستعمرات الأمريكية بموجب قانون الترحيل لعام 1717، وهو ما شكّل أساسا اجتماعيا قاتماللدولة الناشئة آنذاك.
ومع دخول القرن العشرين، تحوّلت الولايات المتحدة إلى قوة مهيمنة على النظام الدولي. فقد أسهم انتصارها في الحرب العالمية الثانية، وهيمنة الدولار الأمريكي، وسيطرتها على المؤسسات الدولية، في ترسيخ موقعها على قمة هرم النظام العالمي. غير أن هذه القوة اقترنت بنهج تدخّلي واضح؛ إذ كشفت الحروب في فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا واليمن، فضلا عن النزاعات الأحدث، عن نمط متكرر لاستخدام القوة العسكرية كأداة للسياسة الخارجية
لا تتوقف الأخطاء التاريخية للولايات المتحدة عند حدود الماضي. إذ يكشف الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني في عدوانه وحرب الإبادة التي يشنها على الشعب الفلسطيني عن استمرارية النهج الاستعماري ذاته. فمحاولات مجلس الأمن الدولي لوقف العنف الإسرائيلي غالبًا ما تجهض بفعل الفيتو الأمريكي، بينما تُهمَّش تقارير انتهاكات حقوق الإنسان، ويُختزل عذاب الفلسطينيين إلى مجرد ملف في لعبة الجغرافيا السياسية.
قراءة المزيد: النبي سليمان عليه السلام: ملك حكيم وقوة إلهية على مر العصور
ومن منظور الأخلاق العالمية، تعكس هذه المواقف ازدواجية المعايير وغطرسة القوة. إذ تنصّب الولايات المتحدة نفسها حكمًا أعلى للحقيقة الدولية، وكأن القوانين والقيم الكونية خاضعة لمصالحها الخاصة. أما التشابه البنيوي في الطابع الاستعماري بين الولايات المتحدة وإسرائيل—وكلاهما أُقيم على أرضٍ مغتصبة—فيشكّل الأساس الأيديولوجي العميق الذي يفسّر متانة هذا التحالف
لطالما شكّلت مؤشرات تراجع الولايات المتحدة موضوعًا للنقاش في الأدبيات الأكاديمية. إذ يشير ممدوح الزعبي في كتابه «أمريكا على أبوابالانهيار» (2004) إلى أن الولايات المتحدة تعاني من حالة التمدد الإمبراطوري المفرط (Imperial Overstretch)، وهي المرحلة التي تتجاوز فيها أعباء الهيمنة العالمية القدرةَ الداخلية للدولة على التحمل. وتتجلى هذه الظاهرة في تضخم الدين العام، واتساع العجز التجاري، واحتدام الاستقطاب السياسي، وتعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن الإرهاق العسكري الناجم عن حروب طويلة الأمد.
ويتقاطع هذا التشخيص مع تحليل المؤرخ بول كينيدي في كتابه الشهير The Rise and Fall of the Great Powers (1987)، حيث يؤكد أن القوى العظمى لا تسقط بفعل الضربات الخارجية وحدها، بل نتيجة تناقضات داخلية تُترك دون معالجة حتى تتراكم وتتحول إلى عوامل تفكك وانهيار.
وفي ظل صعود الصين والهند وقوى آسيوية أخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع نظام دولي متعدد الأقطاب. وإذا أخفقت في التكيّف مع هذا التحول، وأصرّت على الحفاظ على هيمنتها بوسائل قسرية، فإن رصيدها من الشرعية الدولية سيواصل التآكل.
قراءة المزيد: حل الدولتين أم استدامة الاستعمار؟ قراءة في طريق العدالة الحقيقية
وهنا يلتقي منطق التاريخ مع دلالة الوحي عند خلاصة واحدة: إن السلطة التي تُبنى على الظلم والغطرسة لا تمتلك مقومات الديمومة. فعندما تُضحّى بالعدالة في سبيل المصالح السياسية والاقتصادية، لا يكون الناتج استقراراحقيقيا، بل انهيارا مؤجلا ينتظر لحظته.
لا يقتصر خطاب القرآن الكريم على الحديث عن أممٍ غابرة فحسب، بل يحمل إنذارا كونيا عابرا للأزمنة. فكل من يطمح إلى بناء نظام عالمي يسوده السلم والاستدامة، لا مناص له من إقامة العدل، وكبح غطرسة السلطة، وصون القيم الإنسانية. ومن دون ذلك، فإن قوانين التاريخ بوصفها جزءا من سنن الله في الكون ستعمل بذاتها، دون حاجة إلى من يحرّكها.
وكالة مينا للأنباء
قراءة المزيد: أسطول صمود العالمي : سفنٌ لم تصل… لكن رسالتها بلغت الأعماق













Mina Indonesia
Mina Arabic