بسم الله الرمن الرحيم
بقلم الإمام يخشى الله منصور
وَالتِّيْنِ وَالزَّيْتُوْنِۙ ١ وَطُوْرِ سِيْنِيْنَۙ ٢ وَهٰذَا الْبَلَدِ الْاَمِيْنِۙ ٣ (التين: 1–3)
“أقسم بالتين والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين (مكة).”
قراءة المزيد: الولايات المتحدة على شفا الانهيار
في هذه الآيات الكريمة يقسم الله تعالى بأربعة أمور: التين، والزيتون، وطور سينين (جبل سيناء)، والبلد الأمين مكة المكرمة، حيث وُلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وعند تفسير هذه الآيات نقل الإمام ابن كثير رحمه الله عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المقصود بـالتين والزيتون لا يقتصر على الثمرتين بمعناهما الحرفي، بل يشير كذلك إلى الأرض التي تنبت فيها، أي بلاد الشام التي تشمل اليوم فلسطين ومحيطها.
وهذا القسم القرآني ليس معزولا عن سياقه، بل يربط بين المكان والتاريخ والنبوة ورسالة التوحيد. فالقرآن يبرز المكانة الروحية والتاريخية العميقة لبلاد الشام في مسار الرسالات السماوية التي حملها الأنبياء والمرسلون.
وفي الآية الثانية يذكر الله تعالى طور سينين جبل سيناء حيث تلقى نبي الله موسى عليه السلام الوحي والتوراة، في إشارة إلى امتداد الرسالة الإلهية من موسى عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع الأنبياء جاؤوا بدين واحد هو الإسلام بمعناه الشامل للاستسلام لله تعالى.
قراءة المزيد: آيات كونية في غزة
أما سيد قطب رحمه الله فقد رأى في كتابه في ظلال القرآن أن هذا القسم يمثل تأكيدا لمسيرة طويلة من الدعوة إلى التوحيد التي صاغت كرامة الإنسان، وأن الأماكن المذكورة كانت ساحات مركزية للصراع بين الإيمان والباطل، كما تكشف عن سقوط الإنسان حين يُهمل التوحيد ويُترك منهج الأنبياء.
وفي هذا السياق، تمثل فلسطين ومحيطها رمزا لصراع ممتد بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم. فحين يبتعد البشر عن التوحيد والعدالة التي جاء بها الأنبياء، يصبح انهيار القيم والحضارة نتيجة حتمية.
ومن خلال هذه الآيات يؤكد الله تعالى أن كرامة الإنسان لا تقوم إلا على أساس التوحيد والعدل، وأنها تنهار حين تُدنَّس الأماكن المقدسة بالظلم والتمرد والعدوان.
ومن هنا يصبح العدل معيارا لأي دعوة إلى السلام. فأي مبادرة تُرفع باسم “السلام” لكنها تتجاهل مبادئ الإنسانية والعدالة ليست سوى سراب سياسي لا يحقق حقيقة السلام
قراءة المزيد: النبي سليمان عليه السلام: ملك حكيم وقوة إلهية على مر العصور
فلسطين ليست ملكًا لليهود
فلسطين ليست مجرد اسم على الخريطة، بل فضاء حياة سكنه الناس وعمّروه وتوارثوه جيلا بعد جيل على مدى آلاف السنين. في هذه الأرض بُنيت البيوت، وغُرست أشجار التين والزيتون، وأقيمت العبادات، ودُفن الأجداد، وذلك كله قبل زمن طويل من بدء المشروع الاستعماري الصهيوني.
تشير الشواهد التاريخية والأثرية إلى أن فلسطين كانت مأهولة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد من قبل الكنعانيين والفلستينيين ومجموعات سامية محلية أخرى. ويؤكد عالم الآثار الأمريكي البارز وليام ف. أولبرايت أن الكنعانيين هم السكان الأصليون لهذه الأرض، وأن وجودهم سابقٌ بقرون طويلة على قيام أي ممالك “إسرائيلية” قديمة، وهو ما تثبته أيضًا العديد من الدراسات الأثرية الغربية.
كما أن استمرارية الوجود الفلسطيني موثقة بوضوح خلال العصور الرومانية والبيزنطية وصولًا إلى الحقبة الإسلامية. وتوضح المؤرخة البريطانية كارين أرمسترونغ في كتابها القدس: مدينة واحدة وثلاث ديانات أن الشعب الفلسطيني لم ينقطع وجوده قط، رغم تبدّل القوى السياسية الحاكمة؛ فقد ظل الناس يزرعون الأرض ويتاجرون ويعبدون الله، بينما تعاقبت الإمبراطوريات على الحكم.
قراءة المزيد: حل الدولتين أم استدامة الاستعمار؟ قراءة في طريق العدالة الحقيقية
وعندما دخل الإسلام فلسطين في القرن السابع الميلادي، لم تكن العملية استعمارا، بل اندماجا حضاريا. فالفلسطينيون الذين أصبح معظمهم مسلمين مع بقاء جزء منهم مسيحيين هم امتداد مباشر لسكان الأرض الأصليين، ولم يمحُ الإسلام تاريخهم أو هويتهم.
حتى المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه يقرّ بأن الفلسطينيين المعاصرين هم أحفاد مباشرة للمجتمعات المحلية التي عاشت في البلاد عبر القرون، وليسوا جماعة وافدة أو مهاجرين حديثين.
في المقابل، فإن الادعاء اليهودي بأن فلسطين هي أرض الميعاد يفتقر إلى أي أساس قانوني دولي أو شرعية تاريخية جامعة. فالوعد الديني في الكتب المقدسة لم يكن قط تفويضا للاحتلال أو الاستيطان. بل إن عددا من الحاخامات الأرثوذكس يرفضون الصهيونية أساسا لأنها في نظرهم توظّف الدين لخدمة مشروع سياسي استعماري.
ويكشف المؤرخ شلومو ساند، أستاذ التاريخ بجامعة تل أبيب، في كتابه اختراع الشعب اليهودي أن فكرة “شعب يهودي موحّد طُرد جماعيًا ثم عاد بعد ألفي عام” هي أسطورة تاريخية؛ إذ إن كثيرًا من الجماعات اليهودية في أوروبا الشرقية والغربية نشأت من تحوّلات دينية وليس من نسب مباشر إلى سكان فلسطين القدماء.
قراءة المزيد: أسطول صمود العالمي : سفنٌ لم تصل… لكن رسالتها بلغت الأعماق
كما تُظهر سجلات الدولة العثمانية ووثائق الانتداب البريطاني بوضوح أن العرب كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة في فلسطين قبل عام 1948، وهي حقيقة اعترفت بها حتى الوثائق الرسمية الغربية.
ومن خلال الدعاية السياسية، والضغط الدولي، واللوبيات، والدعم الإمبريالي، حوّلت الحركة الصهيونية الأسطورة إلى مطالبة سياسية بالقوة. وما جرى عام 1948 المعروف بالـ“نكبة” حين طُرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، لم يكن “حرب استقلال”، بل عملية تطهير عرقي ممنهجة، كما اعترف بذلك مؤرخون إسرائيليون بارزون مثل بيني موريس وإيلان بابيه.
وعليه، فإن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال ليست اعتداءً، بل حق مشروع أخلاقيا وقانونيا. فهم لا يسلبون حقوق غيرهم، بل يدافعون عن حقهم في الأرض والحياة والكرامة، وهو حق تكفله القوانين الدولية للشعوب الخاضعة للاحتلال.
إن تعاقب الإمبراطوريات على حكم فلسطين لم يلغِ يوما حق أهلها الأصليين في أرضهم، ولم يجعلهم غرباء فيها. ومن ثم فإن جوهر القضية ليس صراعًا على الأرض فحسب، بل مسألة إعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين: الشعب الفلسطيني.
قراءة المزيد: كفى: أوقفوا هذه الحرب
وحين تُستخدم لغة “السلام” لتغطية الوقائع وتبرير الاحتلال، فإن ما يُراد ليس العدالة، بل طمس الحقيقة، وتكميم الأصوات، وإضفاء الشرعية على الاستعمار
شعار “السلام” المثير للتساؤلات
يُقدَّم إنشاء مجلس السلام (Board of Peace – BoP) الذي طرحه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بوصفه مشروعًا دبلوماسيًا يُفترض أن يقود إلى السلام، ولا سيما في فلسطين. غير أن هذا المجلس، شأنه شأن مبادرات عديدة سبقته، يثير سؤالًا جوهريًا: السلام لمن بالضبط؟
بالنسبة للشعب الفلسطيني، كثيرًا ما تبدو كلمة “السلام” ساخرة ومفارِقة؛ فهي لا تأتي لإنهاء الاحتلال أو تحقيق العدالة، بل لتكريس واقع القمع والهيمنة الذي استمر لعقود طويلة وإضفاء شرعية جديدة عليه.
قراءة المزيد: طبيعة نتنياهو المتوحشة
وتبيّن التجربة التاريخية أن معظم خطط السلام سواء عبر قرارات الأمم المتحدة أو أطر دولية أخرى انتهت بتعزيز موقع الاحتلال، بينما استمرت حقوق الفلسطينيين الأساسية في التآكل، وتقلّصت أراضيهم شيئا فشيئا
في هذا السياق تحديدا يصبح من الضروري مساءلة BoP نقديًا. فبدل أن يعالج جذور المشكلة المتمثلة في الاحتلال ومصادرة الأراضي وتهجير السكان، يبدو أن المجلس معرض لأن يُغفل جوهر الصراع، حتى وإن كان ذلك مغلّفًا بخطاب دبلوماسي هادئ وطمأنيني.
السلام المطروح يظهر وكأنه تحويلٌ للأنظار عن القضايا الأساسية، دون أي التزام واضح بإقامة العدالة أو إنهاء الاحتلال أو تفكيك منظومة الظلم في فلسطين.
وأبعد من ذلك، يكشف BoP عن ميلٍ لتحويل الفلسطينيين من أصحاب القضية إلى مجرد موضوع تفاوض ضمن مشروع سياسي طموح. وعندما يُناقَش مستقبل شعبٍ بأكمله من دون مشاركة أصحاب الأرض الحقيقيين، يفقد “السلام” معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى صفقة بين النخب بعيدًا عن واقع المعاناة على الأرض.
قراءة المزيد: الأسلحة النووية: بين الأضرار والمنافع في ضوء القرآن الكريم
فلسطين وامتحان ضمير العالم
تمثل فلسطين مرآةً وامتحانًا لضمير الإنسانية جمعاء؛ ففيها تُختبَر القيم، ويُسأل إن كان العالم ما زال قادرًا على التمييز بين العدل والخداع، وبين السلام الحقيقي والسلام الزائف المفروض بالقوة، وبين الجدية في حل الأزمات أو الاكتفاء بـ“تجميل” المشهد الدبلوماسي.
فكل ركامٍ لمبنى مهدوم، وكل دمعة طفلٍ مفجوع، وكل شبرٍ من أرضٍ مُصادَرة يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مزلزل: إلى أي حد ما زال الضمير العالمي حيًّا، أم أنه تخدّر تحت وطأة المصالح والنفوذ؟
ويبيّن التاريخ أن الاستعمار لا يأتي دائمًا بوجهٍ فظّ؛ فكثيرا ما يتسلّل بلغة ناعمة مثل “الاستقرار” و“المصالحة” و“السلام”. لكن حين تُستخدم هذه المصطلحات لتغطية الظلم والعنف البنيوي، فإن النتيجة ليست شفاء الجراح، بل تطبيع الجريمة.
قراءة المزيد: إسرائيل على حافة الزوال
ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري إخضاع مجلس السلام (BoP) للمساءلة النقدية، بما في ذلك انضمام إندونيسيا إليه. فسلامٌ لا يعترف بالاحتلال، ولا يوقف مصادرة الأرض، ولا يعيد الحقوق الأساسية للفلسطينيين ليس سوى وهمٍ سياسي.
قد يبدو هذا السلام منضبطًا على طاولات التفاوض، لكنه هشٌّ وفارغ في الواقع الميداني. فسلامٌ يتجاهل العدالة ليس جسرًا نحو مستقبل أفضل، بل ستارا يخفّف قبح الجرائم ويُسدل الظلام على وجه الحضارة.
ونحن نؤيد فتوى مجلس العلماء الإندونيسي (MUI) التي تؤكد أن أي أفكار أو ترتيبات تتجاهل العدالة وحق الشعب الفلسطيني في الحرية تُعدّ محرّمةً أخلاقيًا ومخالفةً لقيم الإسلام.
فـ“مجلس السلام” بلا عدل ليس حلا بل سرابٌ مُغلف بلغة دبلوماسية براقة. والسلام الحقيقي لا يولد من شرعنة الاحتلال وسلب الحقوق، بل من إقامة العدل، والتحلي بالشجاعة في الدفاع عنه وإن كان الطريق شاقًا.
قراءة المزيد: اليهود يعادون البشرية جمعاء
وكالة مينا للأنباء













Mina Indonesia
Mina Arabic