بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم الإمام يخشى الله منصور
قال الله سبحانه وتعالى:
“قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وَهَبْ لِيْ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ” (النمل: ٣٥)
قراءة المزيد: آتشيه تعلن حالة التأهّب للطوارئ بسبب الكوارث الهيدرومناخية
يشير الإمام ابن كثير رحمه الله إلى أن دعاء النبي سليمان عليه السلام يعكس توازنا بين طلب المغفرة وطلب الملك. لم يكن الملك هدفه مجرد سلطة، بل كان مرتبطاً أولاً بنقاء القلب ورضا الله.
أما عبارة وهب لِي ملكا فتذكّرنا أن كل قوة ونجاح هي منحة إلهية، وليس مجرد نتيجة جهد الإنسان. فحتى أعظم الممالك، بدون رضى الله، لا تجلب الخير لنفس الحاكم ولا لشعبه.
يشير الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي إلى البُعد الأخلاقي للقيادة في دعاء النبي سليمان عليه السلام، موضحاً أن السلطة يجب أن تصاحبها مسؤولية روحية وأخلاقية. فلم يطلب الملك لنفسه أو لمتعة شخصية، بل ليقود البشر والجن والحيوانات والرياح وغيرها بمسؤولية عظيمة.
من منظور التصوف، تؤكد هذه الآية على التوازن بين الدنيا والآخرة. ويشرح الصوفية أن طلب المغفرة قبل طلب الملك يعكس صفاء القلب ونقاء النية.
قراءة المزيد: الأرصاد الإندونيسية: طقس غائم في مدينة بوغور وضواحيها يوم الجمعة
يشير الإمام الغزالي رحمه الله إلى أن العبد الذي يوازن بين المغفرة والطلبات الدنيوية هو عبد حكيم. والنبي سليمان عليه السلام هنا يمثل مثالاً في الحفاظ على النية الصافية أثناء حكمه لمملكة عظيمة.
تحمل الآية أيضاً رسالة عن صفة الله “الوَهَّاب”، إذ يدرك سليمان أن السلطة والعلم والقدرة كلها منحة من الله وحده.
دعاؤه يمثل نموذجا لكل مسلم يسعى لبركة الدنيا والآخرة، والمغفرة، ورضا الله كهدف أساسي. وقد أدار ملكه بالعدل والخضوع الكامل لشريعة الله تعالى.
مملكة النبي سليمان عليه السلام
قراءة المزيد: بـ42 مليون نسمة.. جاكرتا تتصدر مدن العالم من حيث عدد السكان
امتدت مملكة النبي سليمان عليه السلام من أرض الشام (فلسطين) إلى وادي اليمن، بما في ذلك مملكة سبأ التي حكمتها الملكة بلقيس. وتوضح هذه القصة أن تأثيره لم يقتصر على نطاق محلي، بل تجاوز الأمم والحدود.
لم يكن سليمان عليه السلام يحكم البشر فقط، بل شمل حكمه الجن والحيوانات، وحتى الرياح. وكانت هذه السلطة الكبيرة ليست للتفاخر أو الاستعلاء، بل لخدمة مصالح الأمة وتطبيق شريعة الله سبحانه وتعالى.
كما أن سلطته لم تقتصر على الجانب المادي، بل شملت البعد الروحي واندماج قوة الإيمان مع العلم. فقد منح الله له القدرة على فهم لغة الحيوانات، وتنظيم الجن للعمل في البناء، وإخضاع الرياح لتقوده إلى مختلف البلاد.
عظمة سلطة النبي سليمان عليه السلام
قراءة المزيد: إندونيسيا سترسل 3,650 فردًا من القوات الجوية ضمن قوة حفظ السلام المقرر نشرها في غزة
يستعرض الإمام ابن كثير رحمه الله حديث الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، الذي روى فيه:
“إن إلفريتا من الجن حاول الليلة الماضية أن يقطع صلاتي، فمكّنني الله منه. كنت أرغب في أن أربطه بأحد أعمدة المسجد ليشاهده الجميع صباحًا، لكن تذكرت دعاء أخي سليمان عليه السلام: ‘ربي هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي’، فتركته مهانا.” (متفق عليه)
يوضح هذا الحديث مدى عظمة سلطة النبي سليمان عليه السلام، حيث كانت له القدرة على السيطرة على الجن، وهو ما يعكس عناية الله بعبده الطائع.
ويشير الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله إلى أن سلطته لم تقتصر على البشر، بل شملت الرياح والمياه والمعادن، وحتى المخلوقات الغيبية الأخرى، التي كانت تطيع أوامره بإذن الله تعالى، مما يبرز قدرة الله المطلقة على الكون.
قراءة المزيد: آن الأوان لدوريان إندونيسيا أن يفرض حضوره في الأسواق العالمية
سلطة النبي سليمان عليه السلام لم تكن مجرد قوة شخصية، بل هي دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى. فسلطته لم تكن رمزًا للعظمة الدنيوية، بل تجسيدا لسلطة الله التي تنعكس عبر عبد مؤمن وعالم.
ويشير الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي إلى أن مملكة النبي سليمان عليه السلام تمثل نموذجا مبكرا للحكم الرشيد. فقد كانت العدالة أساس الحكم، والبناء والتطوير يسيران جنبًا إلى جنب، وكان رفاه الشعب أولوية. القوة الكبيرة لم تجعله متكبرا، بل زادته خضوعا لله القادر على كل شيء.
كما يؤكد العلماء على حكمته الفائقة في القيادة، فقد كان ملكا عادلا قادرا على إقامة الحق حتى على أصغر المخلوقات، كالنمل والطيور، مظهرا رحمة الله وسلطانه.
وتظل قصة النبي سليمان عليه السلام مرآة للقيادة النبوية الحقة. فقد جمع بين الإيمان والعلم والسلطة، وقاد شعبه بالمحبة والحكمة، بعيدا عن الطموح الشخصي أو الهوى. فالسلطة عنده ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإحقاق الحق ونشر رحمة الله بين جميع المخلوقات.
قراءة المزيد: إندونيسيا تستهدف يناير 2026 لإطلاق اتفاقية التجارة التفضيلية مع تونس
إسلام الملكة بلقيس
من أبرز المحطات المدهشة في حياة النبي سليمان عليه السلام لقاؤه بالملكة بلقيس ملكة سبا. بدأت القصة حينما جاءه طائر الهدهد بخبر عن مملكة مزدهرة تحكمها امرأة، ويعبد أهلها الشمس. وقد ذُكرت هذه الحادثة في سورة النمل [27:20–44]. لم يسلم النبي سليمان بلقيس بالسيف، بل بالحكمة والمعجزة والإيمان.
إنها غزوة بلا حرب، ونصر بلا دماء. فقد غيّر سليمان قلوب الناس قبل أن يسيطر على الأراضي، وجعل الإيمان بالله تعالى هدف كل خطواته ومهامه.
ويذكر الإمام القرطبي رحمه الله أن النبي سليمان أرسل رسالة مليئة بالحكمة، دعا فيها إلى التوحيد. ثم دعا بلقيس بلطف ورفق، مع عرض معجزاته وعظمة ملكه وعلمه، دون أي غطرسة، ليجعلها تدرك أن السلطة الدنيوية لا تساوي شيئًا أمام حقيقة الوحي وحق الله.
قراءة المزيد: استكمال التحضيرات النهائية لخطة إنشاء المستشفى في غزة
يشير المؤرخون مثل الصعْلَبي والمسعودي إلى أن مملكة النبي سليمان عليه السلام كانت تتمتع بتقدم تقني مذهل في زمانه. فقد أمر الجن ببناء قصور فاخرة، وعرشًا مرصعًا بالجواهر، وشوارع من زجاج شفاف.
وكان الرياح وسيلة لنقله من بلد إلى آخر، وبمصطلحات العصر الحديث يمكن اعتبار ذلك تجسيدًا للطاقة والتحكم الديناميكي للهواء. لذلك لم يكن غريبًا أن تشهد الملكة بلقيس إعجابها ليس فقط بالثروة، بل بـ تنظيم الحضارة ورقيها الذي أُسس على الإيمان.
وعندما حضرت بلقيس تلبية للدعوة، أسرتها روعة قصور النبي سليمان عليه السلام. ويصفها الدكتور وهبة الزحيلي بأنها رمز لانتصار العلم على الشرك والجهل.
لكن عظمة سليمان لم تكن في معجزاته فحسب، بل في حكمته الروحية. فلم يُخضع بلقيس لتوسيع سلطته أو انتزاع ثروات سبأ، بل ليُعرّفها بالله تعالى ويقودها إلى الإيمان الحق.
قراءة المزيد: البحرية الإندونيسية تحشد خمسة آلاف جندي استعدادا لإرسالهم إلى قوة حفظ السلام في غزة
النبي سليمان ليس ساحرا
راح بعض اليهود ينشرون افتراءً كبيرًا، يدّعون فيه أن النبي سليمان عليه السلام كان ساحرًا، خصوصًا بعد وفاته. وهذا الاتهام بعيد كل البعد عن الحقيقة، فلا يليق بأي حال أن يُنسب السحر إلى نبي ورسول من عند الله سبحانه وتعالى.
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في القرآن أن سليمان لم يكن كافرًا، وإنما الشياطين هم الكافرون، لأنهم كانوا يعلّمون الناس السحر. قال تعالى:
…وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ… (البقرة: 102)
أكد العلماء السلف مثل ابن كثير والقرطبي أن هذه الفتنة خرجت من بعض اليهود الذين تأثروا بالشياطين. فقد كتبوا تعويذات وزعموا أنها “علم سليمان”، مع أن النبي عليه السلام لم يعلّمها قط، بل أحرق تلك الكتب حتى لا تضِلّ الناس.
قراءة المزيد: وزير الزراعة الإندونيسي: إنتاج الأرز والذرة كافٍ ولا حاجة للاستيراد
وذكر الطبري أن هذه الفتنة بدأت من مخلفات الشياطين المدفونة تحت عرش سليمان عليه السلام. وبعد وفاته، ظهر الشياطين للناس مدعين أن قوة النبي عليه السلام جاءت من السحر الموجود في تلك الصفحات.
عندما وجدت تلك الأوراق، صدّقها بعض الجهّال من بني إسرائيل وادّعوا أن النبي سليمان عليه السلام كان ساحرا. وهكذا نزل الوحي من الله ليفنّد مزاعمهم ويعيد للنبي كرامته.
وقد أوضح العلماء المعاصرون مثل الشيخ عبد الرحمن السعدي أن تهمة السحر الموجهة للنبي سليمان عليه السلام كانت مجرد قلب للحق من قبل قوم حسدوا الوحي. لم يستطيعوا إدراك أن المعجزات والسلطة التي أُوتيها سليمان ليست نتاج سحر، بل هي منحة من الله تظهر قدرته في الأرض.
ويؤكد ابن القيم الجوزية في كتابه “زاد المعاد” على الفارق الجوهري بين السحر والمعجزة؛ فالسحر من الشرك وخديعة الشياطين، بينما المعجزة من الإيمان والطاعة لله تعالى. إن سلطة النبي سليمان لم تكن نتيجة خدعة أو سحر، بل تجسيد لطاعته ودعائه المقبول عند الله.
قراءة المزيد: إندونيسيا تعتمد آلية جديدة لرسوم تصدير الذهب والفحم وسائر المعادن
ومن هنا، كل من يدّعي أن النبي سليمان عليه السلام كان ساحراً يكون قد خلط بين النور والظلام، بين الوحي والسحر، وتلك التهمة في حقيقتها كفر برسالة الأنبياء.
هيكل سليمان: الأصل والواقع
وجه بعض اليهود إلى النبي سليمان عليه السلام اتهاماً بأنه بنى “هيكل سليمان” كمكان للعبادة، وأصبح هذا الادعاء جزءاً من الرواية الطويلة التي يستخدمها بعض اليهود المعاصرين للمطالبة بحق تاريخي على بيت المقدس والمسجد الأقصى.
غير أن المصادر التاريخية القديمة توضح أن النبي سليمان عليه السلام لم يقم ببناء “هيكل” بمعنى مكان العبادة كما يعتقدون، بل أعاد بناء بيت المقدس، ذلك البيت المقدس الذي أُقيم لعبادة الله تعالى وحده.
وقد أشار بعض المؤرخين وعلماء الآثار اليهود إلى أن الدليل المادي على وجود هذا الهيكل غير موجود، أو على أقل تقدير من الصعب جداً التأكد منه.
ذكر المؤرخ اليهودي إسرائيل فنكلشتاين من جامعة تل أبيب، في كتابه المشترك مع نيل آشر سيلبرمان، أن «الأدلة الأثرية في القدس على مشاريع البناء الشهيرة المنسوبة إلى النبي سليمان غير موجودة. فلم يُكتشف أي أثر من هذا المجمع».
وأضاف الباحثان في نشرتهما الشعبية The Bible Unearthed أن الهياكل الضخمة التي يُعتقد أنها تعود لسليمان أو داود قد تكون في الواقع من فترة لاحقة، وليست من عهد ملك سليمان كما يروي التقليد التاريخي.
أشارت مؤرخة أخرى، كاثلين كينويون، إلى أن «الأدلة الأثرية ضئيلة للغاية» عند بحثها في المواقع في القدس التي ينسب إليها هيكل سليمان.
وفي تصريحها، أشارت إلى أن الافتراض بأن النبي سليمان بنى الهيكل لعبادة اليهود يفتقر إلى أدلة ملموسة، بل واعتبرت أن مصطلح «الهيكل» في هذه الرواية ذو طابع تأملي ومضاربة.
كما يرى بعض مؤرخي الإسلام، مثل الشيخ راغب السرجاني، أن استخدام رمز «الهيكل» يهدف فقط إلى إثارة البعد الروحي والسياسي لدى الصهيونية اليهودية. إن ادعاءات اليهود حول «هيكل سليمان» هي جزء من محاولات طويلة الأمد لمحو التاريخ الإسلامي في فلسطين واستبداله بأساطير قومية يهودية.
والله أعلم بالصواب










Mina Indonesia
Mina Arabic