الخميس17 شعبان1436//4 يونيو/حزيران 2015 وكالة معراج للأنباء الإسلامية”مينا”.
محمد جمعة
مضى شهر رجب الأصم، وأهلّ علينا شهر مبارك.. شهرٌ أحبّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفضّله على غيره من الشهور.. شهرٌ تُرفع فيه أعمالُنا إلى الله.
هذا الشهر كان الصالحون من هذه الأمة يستعدون فيه، ويتسابقون فيه على طاعة الله، وكان يراجع فيه العاصون أنفسهم؛ ليتوب الله عليهم، شهرٌ قال عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “ذاك شهرٌ يغفُل الناسُ عنه، بين رجب ورمضان”.. إنّه شهر شعبان المعظّم.
فتعال – أخي الكريم – لنستمع معاً إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي تحدّثُنا عن حال النبيّ صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان.. روى البخاري عنها أنها قالت: “ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطُّ إلا شهر رمضان، وما رأيتُه في شهرٍ أكثر صياماً منه في شعبان”.
وفي رواية لأبي داود قالت: “كان أحبّ الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه؛ شعبان، ثم يصله برمضان”.
وقد روى الترمذي والنسائي عن أسامة بن زيد، قال: قُلتُ: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: “ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائمٌ”.
إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عندما أجاب أسامة عن سؤاله بقوله: “ذلك شهرٌ يغفُل الناسُ عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمال إلى ربّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائمٌ”.
كأنّه أراد أن يقول لكلّ مسلمٍ: يا مسلم، لا ينبغي لك أن تغفُل عن الله حين يغفُل الناسُ، بل لا بُدّ أن تكون مُتيقظاً لربّك سبحانه وتعالى غير غافلٍ، فأنت المقبلُ حال فرار الناس، وأنت المتصدّقُ حال بُخلهم وحرصهم، وأنت القائمُ حال نومهم، وأنت الذاكرُ لله حال بُعدهم وغفلتهم، وأنت المحافظُ على صلاتك حال إضاعتهم لها.
نبيُّنا الكريم صلى الله عليه وسلم يريد من خلال كلامه أن ينبّه الناس جميعاً إلى أهميّة عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وهذا ما كان يفعلُه سلفُنا الصالح، فلقد كانوا يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة، ويقولون: هي ساعة يغفُل الناسُ عن طاعة الله.
ولو نظرت إلى واقع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم؛ لرأيتهم يستعدون لشعبان كما يستعدون لرمضان؛ فعن لؤلؤة – مولاة عمار – قالت: “كان عمارُ رضي الله عنه يتهيّأ لصوم شعبان كما يتهيّأ لصوم رمضان”.
لقد كانوا يهتمون بهذا الشهر اهتماماً خاصّاً؛ لما عرفوا من نفحاته وكراماته، فكانوا ينكبُّون على كتاب الله يتلونه ويتدارسونه، ويتصدقون من أموالهم، ويتسابقون إلى الخيرات، وكأنهم يُهيّئون قلوبهم لاستقبال نفحات رمضان الكُبرى، حتى إذا دخل عليهم رمضان دخل عليهم وقلوبُهم عامرةٌ بالإيمان وألسنتُهم رطبةٌ بذكر الله، وجوارحُهم عفيفةٌ عن الحرام طاهرةٌ نقيّةٌ، فيشعرون بلذّة القيام وحلاوة الصيام، ولا يملُّون من الأعمال الصالحة؛ لأنّ قلوبهم خالطتها بشاشةُ الإيمان وتغلغل نورُ اليقين في أرواحهم.
ولذلك قال سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي التابعي رحمه الله تعالى، عندما رأى قومه إذا أقبل عليهم شهر شعبان تفرّغوا لقراءة القرآن الكريم: “شهرُ شعبان شهرُ القُرّاء”.
وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهرُ شعبان أغلق حانوته، وتفرّغ لقراءة القرآن.
بل كانوا يقولون: شهرُ رجب هو شهرُ الزرع، وشهرُ شعبان هو شهرُ سقي الزرع، وشهرُ رمضان هو شهرُ حصاد الزرع. بل شبّهوا شهر رجب بالريح، وشهر شعبان بالغيم، وشهر رمضان بالمطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟!
وها قد مضى رجب، فماذا أنت فاعل في شعبان إن كنت تريدُ رمضان؟ هذا حالُ نبيّك وحالُ سلف الأُمّة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعُك من هذه الأعمال والدرجات؟
فتعال معي لنتعاهد على أن نعمر أوقات الغفلة بطاعة الله وبقدر استطاعتنا؛ كما عمّرها سلفُنا الصالح رضي الله عنهم. تعال لكي أُذكّرك بأعمال بسيطة غفل الناسُ عنها في هذه الأيام، وأحثّك على تطبيقها في شعبان؛ كي تسهل عليك في رمضان، فما شهرُ شعبان إلا دورة تأهيليّة لرمضان. تعالوا لنحافظ على الصيام، كما كان يفعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان. ونحن لا نريد أن نقول لكم: صوموا كلّ الشهر، ولا نصفه، ولكن صُم الاثنين والخميس، أو على الأقل صيام الأيّام البيض.
ولنحافظ على الصلاة في المسجد، هذا العمل تهاون فيه الكثيرُ من المسلمين في دنيا اليوم، وليسمع كلُّ من غفل وتهاون وفضّل الصلاة في بيته عن المسجد ما قاله ابنُ مسعود صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سرّه أن يلقى الله غداً مُسلماً، فليُحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث يُنادى بهنّ؛ فإن الله شرع لنبيّكم صلى الله عليه وسلم سُنن الهُدى، وإنّهنّ من سُنن الهُدى، ولو أنّكم صلّيتُم في بيوتكم كما يُصلّي هذا المُتخلّفُ في بيته، لتركتُم سُنّة نبيّكم، ولو تركتُم سُنّة نبيّكم لضللتُم”.
لنحافظ على قراءة القرآن، ولو نصف جزء يوميّاً، ولنعوّد أنفسنا على قيام الليل.
-السبيل-

