بقلم: الإمام يخش الله منصور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الله سبحانه وتعالى
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]
اقرأ أيضًا:إندونيسيا بطلة لكأس آسيان 2026 بركلات الترجيح
يبيّن الإمام ابن كثير، رحمه الله، في كتابه تفسير القرآن العظيم أن المراد بقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ﴾ ليس مجرد المعرفة باللسان أو الحفظ، وإنما اليقين التام بأن القرآن وحيٌ حقٌّ من عند الله، ثم اتباع هديه في شؤون الحياة
أما ﴿أَعْمَى﴾ فهو الذي أعرض عن الحق بسبب الهوى أو الكِبر أو المصالح الدنيوية
ويشير المفسر المعاصر الدكتور محمد قريش شهاب في تفسير المصباح إلى أن مصطلح أولو الألباب مشتق من كلمة اللّب، أي جوهر الشيء وخلاصته، ويُطلق على أصحاب العلم والبصيرة. وإلى جانب هذا الوصف، وصف القرآن الكريم أهل العلم بأوصاف أخرى، منها: أهل الذكر، وأولو الأبصار، وأولو النهى، والعلماء
وأولو الألباب هم أصحاب العقول الصافية التي تحررت من الأحكام المسبقة، والتعصب الضيق، والمصالح الآنية. فلا يكتفون بالنظر إلى الظواهر، بل ينفذون إلى حقائق الأمور، ويصدرون أحكامهم في ضوء الوحي والعقل السليم وتحقيق المصلحة
اقرأ أيضًا:إندونيسيا ترفض الترخيص لحفل إسرائيل هوتون دعما لفلسطين
ومن هنا تتضح صلة هذه الآية بانعقاد المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا، الذي استضافته جاكرتا خلال الفترة من 24 إلى 26 يوليو/تموز 2026. ولم يكن المؤتمر مجرد ملتقى للعلماء والمفكرين وقيادات الأمة، بل شكّل منبرًا للتشاور والتداول في قضايا الوطن والعالم من منظور القرآن الكريم
وتعكس التوجيهات الصادرة عن المؤتمر توجهًا متزايدًا نحو الاهتمام بالقضايا الإستراتيجية التي تمس مستقبل الأمة والحضارة، بدلًا من الانشغال بالنقاشات الفنية أو القضايا الجزئية
ويعود تاريخ هذا المؤتمر إلى عام 1921، حين عُقد لأول مرة في مدينة تشيريبون، ليكون إطارًا جامعًا لمختلف المنظمات الإسلامية في إندونيسيا، بهدف تعزيز أواصر الأخوة الإسلامية وتوحيد الرؤى تجاه القضايا المشتركة
وفي دورته الحالية، ركّز المؤتمر على عدد من القضايا الكبرى التي تمس حياة المسلمين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها دعم نضال الشعب الفلسطيني، وتعزيز وحدة الأمة، ومكافحة الفساد، وترسيخ الاقتصاد المتوافق مع الشريعة، والتصدي للانحرافات الأخلاقية، ومنها ظاهرة المثلية الجنسية
اقرأ أيضًا:جاكرتا.. برابوو يجري تعديلا وزاريا
فلسطين… امتحان للضمير الإنساني والإيمان
من بين التوجيهات الاثني عشر التي أقرها المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا، حظيت القضية الفلسطينية باهتمام خاص. فمنذ البداية، شكّل الدفاع عن فلسطين أحد أبرز القواسم المشتركة بين مختلف المنظمات الإسلامية في إندونيسيا. وحتى في ظل تباين وجهات النظر في بعض القضايا الفقهية والاجتماعية والسياسية، ظل دعم استقلال فلسطين الرابط الذي يوحّد ضمير الأمة
وأكد المؤتمر، في توجيهاته، أهمية تعزيز الدعم السياسي والدبلوماسي والإنساني والاقتصادي لنضال الشعب الفلسطيني، كما دعا الحكومة الإندونيسية إلى مواصلة التزامها بالوقوف في مقدمة الدول الداعمة لاستقلال فلسطين، وفاءً للمبادئ التي أرستها ديباجة دستور جمهورية إندونيسيا لعام 1945
ويؤكد هذا الموقف أن القضية الفلسطينية لا تُختزل في كونها نزاعًا جيوسياسيًا، بل هي قبل كل شيء قضية عدالة وإنسانية، فضلًا عن كونها التزامًا دستوريًا للدولة الإندونيسية
اقرأ أيضًا:إندونيسيا تحرز أول ذهبية لها في آسياد 2026 بعد عودة مثيرة أمام الصين
وتؤكد الشريعة الإسلامية أن نصرة البلاد التي ترزح تحت الاحتلال مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المسلمين، كلٌّ بحسب استطاعته. فإذا سُلب شعبٌ حقوقه وانتهكت كرامته، فإن الدفاع عنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو التزام ديني وأخلاقي بقيم العدل والإنسانية
ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يقتصر دعم فلسطين على مشاعر التعاطف أو بيانات التأييد، بل يجب أن يترجم إلى مواقف وإجراءات عملية يساهم فيها الأفراد والمؤسسات والدول
وقد أكد الآباء المؤسسون لإندونيسيا أن الاستقلال حق لجميع الشعوب، وأن الاستعمار يجب أن يزول لأنه يتنافى مع مبادئ الإنسانية والعدالة، كما نصت على ذلك ديباجة دستور عام 1945. ومن ثم، فإن توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا تؤكد من جديد هذا الالتزام الذي شكّل جزءًا أصيلًا من هوية الدولة الإندونيسية منذ استقلالها
وحدة الأمة… أولوية دائمة لا تفقد راهنيتها
اقرأ أيضًا:سوغيونو: جهود السلام في فلسطين تستلزم تحركا عمليا
إلى جانب القضية الفلسطينية، وضع المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا وحدة الأمة في صدارة أولوياته الإستراتيجية. ويعكس هذا التوجه إدراك العلماء لحقيقة أساسية، مفادها أن الأمة الإسلامية، مهما امتلكت من طاقات وإمكانات، فإنها تفقد الكثير من قوتها إذا مزقتها الخلافات والصراعات الداخلية
ولا تعني الوحدة المقصودة إلغاء جميع أوجه الاختلاف، فاختلاف الآراء أمر عرفه المسلمون منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم. وإنما الواجب هو الحيلولة دون تحول الخلاف إلى عداوة، أو أن يُضلِّل بعضهم بعضًا، بما يفضي إلى الإضرار بأواصر الأخوة الإسلامية
وقد قدّم المصلح الإسلامي المصري محمد رشيد رضا، رحمه الله، تحليلًا لافتًا لأسباب تفرق الأمة، مبينًا أن هناك خمسة عوامل رئيسية تقف وراء هذا التفرق
أولها الصراع السياسي والتنافس على السلطة، وثانيها العصبية القبلية، وثالثها الخلافات المذهبية، سواء في مسائل الأصول أو الفروع الفقهية، ورابعها القول في الدين بالرأي المجرد، وخامسها تحريض أعداء الإسلام
اقرأ أيضًا:إندونيسيا وهولندا تستضيفان الاجتماع الوزاري الأممي لحفظ السلام في 2027
ومن هذا المنطلق، فإن التوجيهات الصادرة عن المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا، والداعية إلى تعزيز أواصر الأخوة بين جميع مكونات الأمة، تستحق كل تقدير، والأهم من ذلك أن تُترجم إلى خطوات عملية. فالوحدة لا تعني توحيد أساليب التفكير، وإنما توحيد الغايات والمقاصد
وهنا يتجلى مجددًا معنى أُولي الألباب؛ فهم يميزون بين القضايا الجوهرية التي تستوجب توحيد الجهود، والقضايا الفرعية التي ينبغي التعامل معها بصدرٍ رحب
عقوبة الإعدام لكبار الفاسدين
ومن بين التوصيات التي لفتت الأنظار في توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا الدعوة إلى أن تفرض الدولة أشد العقوبات على مرتكبي جرائم الفساد الكبرى، بما في ذلك فتح الباب أمام تطبيق عقوبة الإعدام بحق كبار الفاسدين
اقرأ أيضًا:سفينة حربية إيطالية “متقاعدة” تصبح أول حاملة طائرات لإندونيسياما
ومن خلال هذه التوصية، أراد المؤتمر أن يذكّر بأن الفساد ليس مجرد جريمة قانونية، بل هو أيضًا قضية أخلاقية، وخيانة للأمانة، وتهديد لمستقبل الأمة
فالدولة بحاجة إلى إنفاذٍ حازمٍ للقانون يحقق الردع، في حين يحتاج المجتمع إلى تربية أخلاقية تغرس في النفوس أن المنصب أمانة، وليس وسيلة للإثراء غير المشروع
ويختلف الفساد عن السرقة العادية؛ فالأموال المختلسة خُصصت أساسًا لخدمة المصلحة العامة. وعندما تُبدَّد هذه الأموال أو يُساء التصرف فيها، فإنها تخلّف أضرارًا اجتماعية واسعة النطاق
وأوضح المفكر المعاصر في الفقه الإسلامي، الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، رحمه الله، في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته، أن عقوبة التعزير قد تصل إلى الإعدام إذا ترتب على الجريمة إفساد واسع في المجتمع، وكان ذلك يُعد الخيار الأخير لحماية المصلحة العامة ومنع تكرار الجرائم المماثلة
اقرأ أيضًا:سوغيونو يترأس وفد إندونيسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة
وفي المقابل، ينبغي أن يخضع تطبيق العقوبات المشددة لإجراءات قضائية عادلة وشفافة، تستند إلى أدلة قاطعة، مع ضمان احترام حقوق المتهمين
الحفاظ على الفطرة الإنسانية في مواجهة مخاطر المثلية الجنسية
كما أفرد المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا اهتمامًا خاصًا بقضية المثلية الجنسية ، معتبرًا أنها تتعارض مع الفطرة الإنسانية، وتعاليم الإسلام، والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع الإندونيسي
وأكد العلامة المعاصر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، رحمه الله، في كتابه الحلال والحرام في الإسلام، أن الإسلام كرّم الإنسان بوضع أحكام تحفظ النسل وتصون العرض، ومن ثم فإن كل ما يخالف هذين المقصدين يتعارض بوضوح مع تعاليم الإسلام
اقرأ أيضًا:ماليزيا تبدي استعدادها للتعاون مع إندونيسيا لمكافحة حرائق الغابات
وفي المقابل، فإن الدعوة القائمة على الحكمة، والحوار، والتربية، والإرشاد، هي المنهج الذي أرشد إليه الإسلام في التعامل مع مختلف الانحرافات الأخلاقية، قبل اللجوء إلى إجراءات أكثر حزمًا
وينبغي أن تُفهم مكافحة المثلية الجنسية بوصفها جزءًا من الجهود الرامية إلى الحفاظ على المنظومة الأخلاقية للمجتمع. فتماسك الأسرة، والتربية السليمة على القيم، وتهيئة بيئة اجتماعية صحية، وتعزيز القيم الدينية، تمثل جميعها خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الأخلاقية في عصر العولمة
وفي سياق السياسات الوطنية، أصدرت الحكومة الإندونيسية المرسوم الرئاسي رقم 111 لسنة 2025 بشأن السياسة العامة للدفاع الوطني للفترة 2025–2029. وقد صنّف هذا المرسوم انتشار ثقافة المثلية الجنسية (LGBT) ضمن التهديدات غير العسكرية التي تمثل تهديدًا للأمن الوطني، إلى جانب تعاطي المخدرات، والقمار، والتطرف، والإرهاب
وانسجامًا مع هذا التوجه، قدّم مجلس العلماء الإندونيسي إلى مجلس النواب الإندونيسي دراسةً أكاديمية ومشروع قانون لمكافحة المثلية الجنسية، في إطار الجهود الرامية إلى حماية الأسرة، وصون القيم الأخلاقية، والحفاظ على النسيج الاجتماعي
اقرأ أيضًا:سواهسيل نازارا يؤدي اليمين وزيرا للمالية خلفا لبورايا
ولا تقع هذه المسؤولية على عاتق العلماء وحدهم، بل تمتد لتشمل الآباء، والمربين، والحكومة، ووسائل الإعلام، وسائر فئات المجتمع. وبذلك، فإن الحفاظ على الفطرة الإنسانية هو في الوقت نفسه حفاظٌ على مستقبل الحضارة
بناء الاستقلال الاقتصادي للأمة
شكّل تعزيز اقتصاد الأمة أحد أبرز المحاور الإستراتيجية في توصيات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا. فقد دعا المؤتمر إلى تطوير الاقتصاد الإسلامي، وتعزيز المؤسسات الاقتصادية التابعة للأمة، ومراجعة السياسات الاقتصادية الوطنية بما ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، بما في ذلك المقترحات المتعلقة بتطوير صيغ تمويلية مثل «دانتارا الشريعة»
وتعكس هذه التوصيات إدراك العلماء لحقيقة أساسية، وهي أن الدعوة لا تقوم على الحماس وحده، بل تحتاج أيضًا إلى قاعدة اقتصادية راسخة
ويقدّم التاريخ الإسلامي دروسًا بالغة الأهمية في هذا المجال. ففي المرحلة الأولى من الدعوة في مكة، واجه النبي صلى الله عليه وسلم ضغوطًا شديدة، غير أن الدعوة حظيت، رغم تلك الظروف، بدعم عدد من الصحابة الذين امتلكوا إمكانات اقتصادية كبيرة
فقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي تاجرة ثرية، السند الرئيس للدعوة في مكة في مواجهة مختلف التحديات، كما أنفق أبو بكر الصديق رضي الله عنه ماله كله في سبيل نصرة الدعوة
وبعد الهجرة إلى المدينة، تكفّل عثمان بن عفان رضي الله عنه بتمويل كثير من احتياجات المسلمين، واشترى بئر رومة ليجعل ماءها متاحًا لعامة الناس دون مقابل. كما أسهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد كبار التجار، في دعم مسيرة الدعوة، ولم يتأخر سائر الصحابة الميسورين، رضي الله عنهم، عن الإسهام في خدمة الإسلام
وأوضح المفكر الجزائري مالك بن نبي (توفي عام 1973) في كتابه شروط النهضة أن نهضة الحضارات تقوم على تكامل ثلاثة عناصر: الإنسان، والفكرة، ورأس المال. ويرى أن الأمة الإسلامية ستجد صعوبة في تجاوز حالة التخلف إذا ظلت تكتفي بدور المستهلك، بينما تبقى قطاعات الإنتاج، والاستثمار، والتكنولوجيا، والشبكات الاقتصادية، في أيدي الآخرين
ويبدو تحليل مالك بن نبي وثيق الصلة بواقع الأمة الإسلامية اليوم. ففي كثير من البلدان، ومنها إندونيسيا، لا تزال القدرات الاقتصادية، والصناعات الإستراتيجية، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، دون المستوى المأمول، الأمر الذي ينعكس على محدودية الموارد المتاحة لبرامج التعليم، والدعوة، والخدمات الاجتماعية، وتمكين المجتمع
ولا يقتصر تعزيز اقتصاد الأمة على تحقيق الرفاه للأفراد، بل يهدف أيضًا إلى ترسيخ استقلالية المؤسسات الإسلامية. فالمعاهد الإسلامية، والمدارس، والمستشفيات، ووسائل الإعلام الإسلامية، ومؤسسات الدعوة، جميعها بحاجة إلى قاعدة اقتصادية راسخة تضمن لها أداء رسالتها على نحو مستدام
وفي هذا السياق، فإن اهتمام المؤتمر بتطوير الاقتصاد الإسلامي لا يقتصر على استبدال المصطلحات التقليدية بأخرى ذات طابع إسلامي، بل يهدف إلى إرساء نظام اقتصادي إسلامي يقوم على العدالة، والشفافية، وتحقيق مصالح المجتمع
وكالة مينا للأنباء
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَاب














Mina Indonesia
Mina Arabic