بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بقلم: الإمام يخسيالله منصور
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
(سورة النساء: 1).
اقرأ أيضًا:استقبال شهر التضامن مع فلسطين
افتتحت هذه الآية بالنداء العام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ولم تأتِ بصيغة النداء الخاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وفي ذلك دلالة على أن الخطاب موجّه إلى الناس جميعًا، دون استثناء أو تمييز بينهم. ويرى الإمام فخر الدين الرازي أن الأمر بالتقوى في هذه الآية يشمل البشرية جمعاء، بصرف النظر عن اختلاف المكانة الاجتماعية.
وتحمل عبارة ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ دلالة عميقة على وحدة الأصل الإنساني، وهي حقيقة تدعو الناس إلى التراحم والتآلف فيما بينهم. فالناس جميعا ينحدرون من أصل واحد، ولا مسوّغ للتعالي أو التمييز بينهم. كما يأتي ختام الآية بقوله تعالى: ﴿رَقِيبًا﴾ تذكيرا بأن الله مطّلع على أحوال عباده، لا تخفى عليه خافية، وأن كل صور الظلم واقعة تحت رقابته سبحانه.
وفي السياق ذاته، يوضح الإمام الطبري في تفسيره «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» دلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، مسلطا الضوء على معنيين أساسيين:
أولا: وحدة الأصل والنسب.
اقرأ أيضًا:أبو أيوب الأنصاري.. مُلهِم فتح القسطنطينية
فمهما اختلفت القبائل والشعوب والألوان، فإن البشرية تعود في أصلها إلى أب واحد وأم واحدة، هما آدم وحواء. ومن ثمّ، فإن اختلاف الأنساب والأعراق وألوان البشرة لا يغيّر من حقيقة أن الناس جميعا ينتمون إلى أصل إنساني واحد.
ثانيا: المسؤولية الاجتماعية.
فالبشرية أسرة واحدة، ومن ثمّ فإن احترام حقوق الآخرين وصونها واجب على الجميع، كما يحفظ الإنسان حقوق إخوانه ويصونها. ويترتب على ذلك وجوب شرعي يتمثل في إقامة العدل والتكافل والتعاون، ونصرة المستضعفين والدفاع عن حقوقهم.
كما أن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ يذكّرنا بوجوب صلة الأرحام وحفظ حقوق الناس، فلا يجوز ظلم الآخرين أو استعبادهم؛ لأن ذلك بمنزلة الاعتداء على أفراد الأسرة الواحدة وإيذائهم.
اقرأ أيضًا:قراءة في توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا من منظور أُولي الألباب
وقد حذّرنا رسول الله ﷺ من التمييز والتفاخر بالأنساب والأعراق، فقال:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِأَعْجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى».
(رواه أحمد).
ويؤكد هذا التوجيه النبوي أن الأمم لا تتفاضل بمجرد انتمائها القومي، كما لا يحق لشعب أن يتعالى على غيره بسبب اختلاف لون البشرة أو النسب أو القوة الاقتصادية أو النفوذ السياسي.
ويتجلى الخلل في هذا الاعتقاد في الزعم بأن اليهود «شعب الله المختار»، وما ينطوي عليه ذلك من استعلاء على سائر الشعوب والنظر إليها بدونية. ويُطلق مصطلح «غوييم» (Goyim) في العبرية على غير اليهود أو الأمم الأخرى.
اقرأ أيضًا:مرةً أخرى.. العلاقات الإندونيسية الفلسطينية
إن الإنسان الجدير بالتكريم هو من يقيم العدل ويحترم حق الآخرين في الحياة والكرامة وحرية الاعتقاد، ويحميهم من الظلم والاضطهاد بمختلف أشكاله.
ويؤكد هذا المبدأ أن التضامن مع الآخرين لا يقتصر على الشعارات، بل لا بد أن يترجم إلى خطوات عملية لمواجهة الظلم ونصرة المظلومين.
الجدل حول حفل أندريا بوتشيلي
يجب النظر إلى الجدل المثار حول حفل أندريا بوتشيلي في إندونيسيا في ضوء المسؤولية الإنسانية. فمن حق الجميع تنظيم الفعاليات الترفيهية والتعبير عن آرائهم بحرية، لكن هذه الحرية يجب ألا تكون مبررًا لتجاهل المعاناة الإنسانية أو التغاضي عن الاحتلال.
اقرأ أيضًا:كرة القدم والدين.. صوتان في دعم القضية الفلسطينية
وفي هذا السياق، يجدر التوقف عند سجل بوتشيلي ومواقفه الداعمة لإسرائيل، من خلال استعراض عدد من الوقائع.
في أكتوبر/تشرين الأول 2008، أحيا بوتشيلي حفلًا في تل أبيب بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مركز شمعون بيريز للسلام، وقدم دويتو غنائيًا مع المغنية الإسرائيلية ليئيل كوليت.
وبعد عامين، في ديسمبر/كانون الأول 2010، أحيا حفلًا خيريًا في لوس أنجلوس لجمع التبرعات لصالح منظمة «أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي» (FIDF). وجمع الحفل نحو 8.75 ملايين دولار أمريكي لدعم الجيش الإسرائيلي. ووصفت صحيفة «جويش جورنال» تلك الأمسية بأنها «ليلة التسعة ملايين دولار» لصالح الجيش الإسرائيلي، بمشاركة بوتشيلي في الحفل.
وفي يونيو/حزيران 2011، عاد بوتشيلي إلى إسرائيل لإحياء الحفل الختامي لمهرجان الأوبرا الإسرائيلية في موقع مسعدة، والتقى بالرئيس الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز.
اقرأ أيضًا:تضحيات مقاومي غزة من أجل المصلحة المشتركة
وفي يونيو/حزيران 2022، أحيا بوتشيلي حفلًا في ملعب بلومفيلد بمدينة تل أبيب، بحضور أكثر من 20 ألف متفرج، من بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي صدر بحقه أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
وذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن بوتشيلي تجاهل دعوات المقاطعة التي أطلقها ناشطون مؤيدون لفلسطين، والذين يواصلون الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل (8 أكتوبر/تشرين الأول 2026). وعقب الحفل، زار القدس وعددًا من المواقع في البلدة القديمة الواقعة تحت الاحتلال.
كما عبّر بوتشيلي علنا عن إعجابه بإسرائيل. وذكرت صحيفة «ذا نيو عرب» أنه وصف إسرائيل في مقابلة بأنها مكان يجد فيه صدى خاصا، وقال إن زيارته لها تركت أثرا بالغا في نفسه.
كما نُسب إليه قوله لنتنياهو إنه لو أتيحت له الفرصة لاختار إسرائيل لتكون موطنا له.
اقرأ أيضًا:مقاضاة الدولة الصهيونية الإسرائيلية
وعليه، فإن زيارة بوتشيلي إلى إندونيسيا ليست مجرد مشاركة في عرض ثقافي أو حفل موسيقي عادي، بل تندرج ضمن دعم علني لدولة متهمة بارتكاب إبادة جماعية. وهكذا تتحول الفنون إلى أداة لتطبيع الجرائم.
في المقابل، تؤكد الحكومة الإندونيسية رسميا رفضها جميع أشكال الاضطهاد والاستعمار الذي تمارسه أمة بحق أمة أخرى، وهو موقف يستند إلى ما نصت عليه ديباجة دستور عام 1945 من أن الحرية حق لجميع الشعوب، وأن الاستعمار في العالم أجمع يجب أن يُقضى عليه.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس قطاع العلاقات الخارجية في مجلس العلماء الإندونيسي، البروفيسور سودارنوتو عبد الحكيم، رفضه إقامة حفل بوتشيلي المقرر في إندونيسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بسبب مواقف بوتشيلي الداعمة لما يجري في فلسطين من إبادة جماعية.
ويرى مجلس العلماء الإندونيسي أن هذه المواقف ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم مدى توافق الحفل مع المبادئ الإنسانية وموقف إندونيسيا المساند لفلسطين. كما قال البروفيسور سودارنوتو: «لا تمنحوا المنصة لأي شخص يساهم في تمويل قتل أبناء غزة والشعب الفلسطيني».
اقرأ أيضًا:النكبة الفلسطينية.. كيف نواصل دعم فلسطين ونصرة شعبها؟
إن رفض حفل أندريا بوتشيلي لا يتعلق بدينه أو معتقداته، ولا بنوع الموسيقى التي يقدمها، بل هو موقف تمليه الاعتبارات الإنسانية. فالإنسان الذي يتحلى بالضمير الحي لا يمكن أن يقف إلى جانب الظالمين والمجرمين أو مؤيدي الاحتلال.
وراء أجواء الحفل مأساة إنسانية في غزة
في الوقت الذي تنشغل فيه الأوساط الفنية بأجواء الاحتفال، لا يزال سكان غزة يواجهون مأساة إنسانية مؤلمة. فوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لم يضع حدًا للجرائم الإسرائيلية في فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية.
وبحسب بيانات السلطات الصحية الفلسطينية الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تجاوز عدد الشهداء جراء العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أربعة وسبعين ألفا، فيما تجاوز عدد المصابين 175 ألفا.
اقرأ أيضًا:إدارة الأزمات الغذائية في تجربة نبيّ الله يوسف عليه السلام
ولم يقتصر الدمار على إزهاق الأرواح، بل امتد ليشمل المنازل والمدارس والمستشفيات ومختلف مقومات الحياة. وتُقدّر تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية وحدها بنحو 640.08 تريليون روبية إندونيسية، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية نحو 412.77 تريليون روبية.
وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر قضية إقامة الحفل على الترفيه أو حرية التعبير، بل تتصل أيضًا بالمسؤولية الإنسانية والتعاطف مع معاناة الناس والانحياز إلى قيم العدالة.
لذلك، ينبغي تقييم مواقف الفنان وسجله العلني بموضوعية ونقد، بما في ذلك مشاركته في فعاليات مرتبطة بأطراف إسرائيلية، استنادًا إلى وقائع موثوقة قابلة للتحقق.
حرية التعبير وحقوق الإنسان
اقرأ أيضًا:تاريخ الإسلام في إيران: السنّة والشيعة وتحولات الواقع المعاصر
يُعدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرجعًا أخلاقيًا عالميًا. وقد أُعلن عنه عام 1947، ثم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948. ويؤكد الإعلان أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.
لكن الاختبار الحقيقي لمبادئ هذا الإعلان لم يكن في أروقة الأمم المتحدة، بل على أرض فلسطين. ويتجلى أحد أكبر تناقضات هذا العصر في ممارسات إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، التي تنتهك المبادئ الأساسية للإعلان، ومن بينها:
أولًا، الحق في الحياة (المادة 3) والحق في عدم التعرض للتعذيب (المادة 5). لكن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية يعكس واقعًا يناقض ما تنص عليه هاتان المادتان. فقد وثّقت تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومؤسسات دولية عمليات قتل للمدنيين على نطاق واسع، وقصف مناطق مكتظة بالسكان، وممارسات الاعتقال الإداري دون محاكمة.
وعندما تتحول أرواح البشر إلى مجرد أرقام في الإحصاءات، بالتزامن مع تدمير البنية التحتية، فإن ذلك يمثل انتهاكا صارخا للمادتين الثالثة والخامسة من الإعلان.
وكالة مينا للأنباء












Mina Indonesia
Mina Arabic