SCROLL TO CONTINUE WITH CONTENT

السلام في فلسطين يعني السلام في العالم

ADVERTISEMENT

SCROLL TO CONTINUE WITH CONTENT

كأس العالم لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن فلسطين

Sunday, 28 June 2026 - 09:48 WIB

21 Views ㅤ

Dini Istiqomah - Sunday, 28 June 2026 - 09:48 WIB

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم: الإمام يخش الله منصور

قال الله تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾

اقرأ أيضًا:152 دولة تطالب واشنطن بالتراجع عن منع وفد فلسطين من اجتماعات الأمم المتحدة

[فصلت: 26]

أي: قال الذين كفروا: لا تستمعوا إلى هذا القرآن، وأثيروا الضجيج عند تلاوته؛ لعلكم تغلبون.

ذكر الإمام الطبري، رحمه الله، أن هذه الآية نزلت حين كان رسول الله ﷺ يتلو القرآن على مشركي قريش، فكانوا يتعمدون إحداث الضوضاء، بالصفير والتصفيق، لصرف الناس عن سماع كلام الله.

ولم يكن هذا السلوك تصرفًا عفويًا، بل كان محاولة مقصودة من مشركي قريش لصرف الأنظار عن الحق ومنع الناس من الإصغاء إلى الرسالة التي جاء بها النبي ﷺ.

اقرأ أيضًا:التجويع يتخذ شكلاً جديداً في غزة.. مساعدات أقل وقدرة شرائية منهارة

ولا يقتصر هذا الأسلوب على تلك المرحلة من التاريخ، بل يتكرر بأشكال مختلفة عبر العصور. فكلما ظهر الحق، ظهرت في المقابل محاولات لإشغال الناس عنه وتشتيت انتباههم بما يحول بينهم وبين إدراكه.

وفي واقعنا المعاصر، لم تعد وسائل التشتيت تقتصر على الضجيج والصخب، وإنما باتت تتخذ صورًا أكثر تأثيرًا، من خلال التدفق الهائل للمعلومات، ووسائل الترفيه، والأحداث الكبرى التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام.

وفي خضم هذا الزخم الإعلامي، تبرز بطولة كأس العالم بوصفها حدثًا رياضيًا عالميًا يستقطب أنظار الملايين. غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب الأنظار عن القضايا الإنسانية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ما تزال تتصدر المشهد بوصفها إحدى أبرز قضايا العدالة والكرامة الإنسانية

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى أجواء كأس العالم باعتبارها نموذجًا للتأمل. فهي ليست مجرد بطولة رياضية، بل حدث عالمي يستقطب اهتمام الملايين، ويستأثر بمشاعرهم وانشغالاتهم.

اقرأ أيضًا:مركز ميمونة يدعو تحالف آسيا والمحيط الهادئ للقدس إلى دعم قضايا المرأة

ومع انصراف أنظار العالم إلى الملاعب وشاشات البث ونتائج المباريات، تتراجع في كثير من الأحيان القضايا الإنسانية الملحة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾، إذ لا يقتصر “اللَّغْو” على الضجيج والأصوات، بل يشمل كل ما يصرف الناس عن إدراك الحق والانشغال بقضايا العدل والإنصاف

حين تنشغل أنظار العالم بكرة

حين تضاء ملايين الشاشات في وقت واحد، من المدن الأوروبية إلى الشرق الأوسط، مرورًا بآسيا وإفريقيا، يتوقف كثيرون عن أعمالهم اليومية ليتابعوا مباريات كأس العالم. تمتلئ المقاهي بالمشجعين، وتتحول المنازل إلى أماكن للمشاهدة الجماعية، وتُنصب الشاشات في الشوارع والساحات العامة، بينما تستأثر البطولة باهتمام الرأي العام في مختلف أنحاء العالم.

ولم تعد كأس العالم بالنسبة إلى كثيرين مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبحت حدثًا عالميًا يستقطب اهتمام مئات الملايين، ويجمع الناس على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم الجغرافية في أجواء من الحماس والترقب.

اقرأ أيضًا:قيادية ماليزية: تمكين المرأة وتعزيز دور المساجد ركيزة لنصرة الأقصى

غير أن خلف هذا المشهد الصاخب، ثمة أماكن لا تعرف الاحتفال، وشعوب لا تملك رفاهية التوقف لمتابعة المباريات، لأن واقعها ما يزال مثقلًا بالحرب والدمار والمعاناة

أما فلسطين، فما تزال تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا. فمصير أهلها لا تحدده نتائج المباريات، بل تحدده معركة يومية من أجل البقاء في ظل أزمة ممتدة لا تزال تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة.

فهناك أطفال يكبرون في واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، وأسر تعيش على وقع الفقد المتكرر، ومجتمعات تكافح كل يوم لتأمين احتياجاتها الأساسية من الماء والغذاء والدواء.

وأمام هذا التباين الصارخ بين صورتين للعالم، يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن أن تستحوذ وسائل الترفيه على هذا القدر من اهتمام البشرية، بينما تتراجع المآسي الإنسانية المستمرة إلى هامش الوعي العالمي؟

اقرأ أيضًا:الروبية الإندونيسية ترتفع إلى 17,840 مقابل الدولار.. وتراجع مؤشر البورصة 0.86

وتظل القضية الفلسطينية واحدة من أبرز الأمثلة على اختلال أولويات الاهتمام الدولي، وهو ما يتجلى بوضوح حين يتفاعل العالم بسرعة مع نتائج المباريات، في حين لا يبدي القدر نفسه من الاستجابة تجاه الأزمات الإنسانية.

ولا يعني ذلك أن الاستمتاع بالرياضة أو الترفيه أمر مذموم، وإنما تكمن المشكلة حين يتحول الانشغال بهما إلى سبب يضعف الإحساس بمعاناة الآخرين أو يصرف الأنظار عن القضايا الإنسانية العادلة

ألا يطغى الترفيه على روح المسؤولية

إن الإسلام دين يراعي فطرة الإنسان وواقعه، فلا يحرم ما تميل إليه النفس من الجمال والمتعة والراحة، بل يبيحه ما دام في إطار المشروع، ويُنال بوسائل مشروعة، ويظل منضبطًا بضوابط الشرع.

اقرأ أيضًا:الاحتلال يفرج عن 35 أسيرا من قطاع غزة بينهم سيدة

ومن هذا المنطلق، لا يمنع الإسلام الإنسان من الترويح عن نفسه أو البحث عن الراحة والاستجمام، بل يدعو إلى الاعتدال في ذلك، بحيث يبقى الترفيه وسيلة لا غاية.

غير أن الإسلام وضع للترفيه ضوابط واضحة، فلا يجوز أن يشتمل على ما يضر بالإنسان، أو ينطوي على كشف للعورات، أو يروج للسحر والخرافة، أو يقوم على الظلم والإهانة وإيذاء الآخرين، أو يرتبط بالقمار، أو يفضي إلى الإسراف والانشغال المفرط.

وفي المقابل، يؤكد الإسلام أن الإنسان مسؤول عن وقته واهتمامه وماله، وأن عليه أن يديرها بوعي أخلاقي وروحي ينسجم مع الرسالة التي استخلفه الله من أجلها.

وفي عالم اليوم، لم تعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية، بل غدت ظاهرة عالمية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتستقطب اهتمامًا واسعًا على مستوى العالم.

اقرأ أيضًا:ماليزيا تصادر حاوية يُشتبه في توجهها إلى إسرائيل

وفي كل نسخة من البطولة، يشد ملايين المشجعين الرحال من مختلف أنحاء العالم لحضور المباريات في الملاعب، لتصبح كأس العالم واحدة من أكبر مناسبات التنقل البشري المرتبطة بالأحداث الرياضية.

وفي سياق النقاشات العامة في المملكة العربية السعودية، طُرحت تقديرات تشير إلى أن نحو مليون مشجع من الدول العربية قد يتوجهون إلى الولايات المتحدة لمتابعة مباريات كأس العالم. ورغم أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات، فإنها تعكس حجم الحراك البشري الهائل الذي يمكن أن يولده حدث رياضي عالمي بهذا الحجم

وإذا افترضنا أن المشجع الواحد ينفق نحو 200 مليون روبية إندونيسية على رحلته، تشمل تذاكر السفر ذهابًا وإيابًا، والإقامة، والمواصلات، والطعام، وتذاكر المباريات، فإن إجمالي الإنفاق قد يصل إلى نحو 200 تريليون روبية.

ولا يُقصد من إيراد هذه الأرقام توجيه اللوم إلى أحد، وإنما الدعوة إلى التأمل في أولويات الإنسان المعاصر وكيفية توجيه موارده واهتماماته.

اقرأ أيضًا:13 منطقة في جاوة الغربية تدخل مرحلة الإنذار من الجفاف

وهنا يبرز سؤال أخلاقي لا بد من طرحه: إلى أين تتجه طاقات البشر واهتماماتهم إذا كان الترفيه يستأثر بهذا القدر من الوقت والمال، بينما لا تزال الأزمات الإنسانية تتفاقم بلا توقف؟

وفي هذا السياق، يذكّر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بأن الإنسان مسؤول أمام الله عن عمره وماله، مبينًا أن كثيرًا من الذنوب تنشأ من الغفلة التي تُبعد الإنسان عن العبادة وأداء واجبه في نصرة الحق.

وفي السياق نفسه، يبين شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه مجموع الفتاوى أن كل ما يشغل الإنسان عن أداء واجباته تجاه الله، أو يصرفه عن مسؤولياته تجاه الآخرين، قد يؤدي إلى اختلال في ترتيب الأولويات، وإن لم يكن محرمًا في ذاته.

ومن هنا يدعو الإسلام إلى تحقيق التوازن؛ فلا يمنع الإنسان من الاستمتاع بالمباحات، لكنه يحثه على ألا تتحول متع الدنيا إلى سبب للغفلة عن الآخرة، أو إلى ما يضعف إحساسه بمعاناة الآخرين. فالمشكلة ليست في الترفيه نفسه، وإنما في أن يتحول إلى ما يطمس روح التعاطف ويصرف الإنسان عن واجبه تجاه إخوانه الذين يعيشون الألم والمعاناة

اقرأ أيضًا:منظمة الصحة العالمية: موجة الحر في أوروبا أودت بحياة 1300 شخص

ألا تطغى مواعيد المباريات على العبادة

ورغم الزخم الذي يرافق جدول مباريات كأس العالم، فإن ثمة جانبًا لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو أثر مواعيد المباريات، التي تمتد أحيانًا إلى ساعات متأخرة من الليل أو قبيل الفجر، في نمط حياة المتابعين، وما قد يترتب عليها من اضطراب في النوم وتراجع بعض العبادات.

فإذا كان المرء قادرًا على السهر لمتابعة مباراة، فمن الأولى ألا يكون ذلك على حساب صلاة الفجر أو قيام الليل. وهنا تتجلى حقيقة الأولويات، إذ يُختبر مدى تقديم المسلم عبادته على ما سواها من متع الدنيا.

وفي التصور الإسلامي، لا تُعد الصلاة مجرد شعيرة تؤدى، بل هي الصلة التي تربط العبد بربه، والركيزة التي تمنحه الثبات وتوجه مسيرته وسط مشاغل الحياة وتقلباتها.

اقرأ أيضًا:وصول 13 أسيراً من غزة إلى مستشفى شهداء الأقصى

ويشير ابن رجب الحنبلي في كتابه «لطائف المعارف» إلى أن قيام الليل من أجل القربات، لما يجسده من خلوة بين العبد وربه، وتقرب إليه في أوقات يغفل عنها كثير من الناس.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الساعات، التي تحمل قيمة إيمانية عظيمة، قد تُستهلك أحيانًا في متابعة المباريات، بينما يفوت على بعض الناس نداء الوقوف بين يدي الله تعالى

وهنا تتجلى حقيقة الاختبار؛ حين يستطيع الإنسان أن يقضي ساعات طويلة في متابعة المباريات، لكنه يجد مشقة في قيام الليل أو أداء صلاة الفجر جماعة في المسجد.

ومن ثم، فإن على المؤمن، وسط الزخم الذي يرافق كأس العالم، ألا يكتفي بدور المتابع للأحداث الرياضية، بل أن يحافظ كذلك على يقظته الإيمانية وصلته بربه.

فالمعيار الحقيقي في حياة المسلم ليس عدد المباريات التي شاهدها، وإنما قوة علاقته بالله، وما ينعكس عنها من التزام بالعبادة وثبات على القيم

كأس العالم.. فرصة للدعوة وتعزيز وعي الأمة

لا تقتصر بطولة كأس العالم على كونها حدثًا رياضيًا عالميًا أو مناسبة للترفيه، بل يمكن أن تشكل أيضًا مساحة واسعة للدعوة إلى الإسلام، وتعزيز وعي الأمة بالقضايا التي تهمها.

وقدمت كأس العالم 2022 في قطر نموذجًا بارزًا في هذا السياق، إذ أُقيمت البطولة للمرة الأولى في دولة ذات أغلبية مسلمة، الأمر الذي أتاح حضورًا أوسع للقيم والرموز الإسلامية في الفضاء العام العالمي. وشمل ذلك التعريف بالثقافة الإسلامية، وتوفير أماكن لأداء الصلاة، وتوزيع نسخ من القرآن الكريم على الزوار.

كما أفاد مركز قطر للتعريف بالإسلام (فنار) بأن عددًا من الزوار الأجانب أعلنوا إسلامهم خلال فترة البطولة. وتشير التقارير إلى أن عددهم بلغ مئات الأشخاص على امتداد أيام البطولة، مع الإشارة إلى عدم وجود رقم رسمي موحد أجمعت عليه جميع المصادر

وفي مناسبات عديدة، برز الحضور الروحي حتى في خضم المنافسات الرياضية. فقد حرص عدد من اللاعبين المسلمين على الدعاء قبل انطلاق المباريات، والسجود شكرًا بعد تسجيل الأهداف، وإظهار اعتزازهم بهويتهم الإسلامية رغم ضغوط المنافسة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شهدت بعض البطولات الدولية مظاهر تضامن مع القضية الفلسطينية، سواء من خلال رفع الأعلام الفلسطينية، أو التعبير عن الدعم بمواقف رمزية ورسائل إنسانية، وهي مشاهد لاقت انتشارًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن يقتصر حضور كأس العالم على كونه مناسبة للترفيه فحسب، بل يمكن أن يشكل أيضًا فرصة لتعزيز الوعي وإحياء التعاطف مع معاناة الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، الذي قد تغيب مأساته أحيانًا عن عدسات الكاميرات، لكنها لا تغيب عن ضمير الأحرار.

ستمضي بطولات كأس العالم كما مضت من قبل، وستنتهي هتافات الجماهير، ويتبدل الأبطال، ويخفت بريق الحدث مع مرور الأيام. لكن ما ينبغي ألا يخبو أبدًا هو روح التضامن الحية في قلوب المسلمين.

ففلسطين ليست قضية عابرة، ولا وسمًا يتصدر منصات التواصل الاجتماعي لفترة ثم يختفي، بل هي قضية ممتدة ما تزال تتطلب اهتمامًا دائمًا، ودعاءً صادقًا، وموقفًا إنسانيًا لا تضعفه الأيام، ولا تطغى عليه أجواء الترفيه، ولا تحجبه الأحداث العابرة مهما بلغت من الزخم.

والله أعلم بالصواب.

توصيات لك