بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: الإمام يخشى الله منصور
قال الله سبحانه وتعالى
وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كبيرا
اقرأ أيضًا:حفل أندريا بوتشيلي بين حقوق الإنسان ونصرة فلسطين
أي: لقد أوحى الله إلى بني إسرائيل في التوراة أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وسيمارسون استعلاءً وطغيانًا كبيرين
وقد أوضح الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره «جامع البيان» أن المقصود بقوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ هو تجاوز حدود الله والاعتداء على الناس وشرعه. فقد تكرر من بني إسرائيل العصيان، وقتل الأنبياء والرسل، وإفساد النظام الاجتماعي، وممارسة الظلم بحق البشر، حتى انتهى بهم الأمر إلى الهلاك والانهيار
أما الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله، فقد بيّن أن هذه الآية لا تقتصر على سرد حدث تاريخي، بل تكشف عن سنّة إلهية ثابتة في حياة الأمم؛ فالتكبر والاستعلاء من أبرز أسباب فساد المجتمعات وسقوط الحضارات
وتحمل الآية تحذيرًا واضحًا من خطورة القوة حين تنفصل عن الأخلاق وهداية الوحي. فحين يبلغ الظلم ذروته، يصبح الانهيار نتيجة حتمية لسنن الله التي لا تتبدل
اقرأ أيضًا:استقبال شهر التضامن مع فلسطين
ويرى بعض العلماء المعاصرين أن في هذه الآيات دلالات يمكن إسقاطها على واقع المشروع الصهيوني في فلسطين، في ظل ما يشهده الشعب الفلسطيني من احتلال وقتل وتهجير وهدم للمنازل، في مشهد يعيد إلى الأذهان تحذيرات القرآن من عواقب الطغيان والفساد
معاناة فلسطين وقيام إسرائيل
في أرضٍ كانت يوما مهدا للأنبياء والرسالات، ما تزال الحروب تحصد الأرواح، وما يزال الدم الفلسطيني يُراق أمام أنظار العالم. أطفالٌ يُنتشلون من تحت الركام، وأمهاتٌ يودّعن أبناءهن وسط الدموع والخراب، بينما يواصل العالم الحديث الذي يتحدث كثيرًا عن حقوق الإنسان صمته أمام واحدةٍ من أطول المآسي الإنسانية في العصر الحديث
لقد تحولت فلسطين إلى عنوانٍ بارزٍ لاختلال العدالة الدولية، ومشهدٍ مفتوح تُنتهك فيه القوانين الإنسانية بلا رادع، حيث تتكرر مشاهد القصف والقتل والتهجير وهدم المنازل بصورةٍ تكشف عمق المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود
اقرأ أيضًا:أبو أيوب الأنصاري.. مُلهِم فتح القسطنطينية
وفي قلب هذه القضية، تظل إسرائيل موضع جدل سياسي وأخلاقي وقانوني لا ينتهي
فبينما يراها مؤيدوها وطنا قوميّا لليهود، ينظر إليها الفلسطينيون وكثيرٌ من شعوب العالم باعتبارها مشروعًا استيطانيًا قام على الاحتلال وتهجير شعب من أرضه
ومن هنا يبرز السؤال الذي ما يزال حاضرا بقوة
هل كان قيام إسرائيل نتيجةً طبيعية لتحولات التاريخ؟
اقرأ أيضًا:قراءة في توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا من منظور أُولي الألباب
أم أنه جاء ثمرةً لترتيباتٍ سياسية وجيوسياسية أعادت رسم خريطة المنطقة الحديثة
سقوط الدولة العثمانية والطريق إلى قيام إسرائيل
لفهم كيف نشأت إسرائيل، لا تكفي العودة إلى عام 1948 وحده، فالقضية بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، حين أخذت الدولة العثمانية تدخل مرحلة الضعف في أواخر القرن التاسع عشر
فعلى مدى قرون، بقيت فلسطين تحت حكم الدولة العثمانية وحمايتها. وفي الوقت الذي كانت فيه أجزاء واسعة من العالم الإسلامي تقع تحت النفوذ الاستعماري الغربي، ظلت فلسطين بعيدة إلى حدٍّ كبير عن مشاريع الاستيطان الصهيوني
اقرأ أيضًا:مرةً أخرى.. العلاقات الإندونيسية الفلسطينية
وكان السلطان عبد الحميد الثاني من أكثر القادة تمسكًا برفض محاولات الحركة الصهيونية التوسع في فلسطين. وقد اشتهر موقفه الحازم تجاه مطالب تيودور هرتزل، زعيم الحركة الصهيونية، الذي سعى للحصول على موافقة عثمانية تسمح بهجرة اليهود إلى فلسطين
وفي مذكراته، أشار هرتزل إلى أنه عرض تقديم مساعدات مالية كبيرة للدولة العثمانية التي كانت تعاني أزمة اقتصادية، مقابل السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، إلا أن السلطان عبد الحميد الثاني رفض ذلك رفضا قاطعًا
ويُنسب إلى السلطان قوله
«لن أبيع شبرا واحدا من أرض فلسطين، لأنها ليست ملكا لي، بل هي ملكٌ للأمة الإسلامية.»
اقرأ أيضًا:كرة القدم والدين.. صوتان في دعم القضية الفلسطينية
وقد عكس هذا الموقف رؤية كانت تعتبر فلسطين أمانةً يجب الحفاظ عليها والدفاع عنها في مواجهة أي مشروعٍ يستهدف هويتها أو مستقبلها
ويرى عدد من الكتّاب والمؤرخين في الشرق الأوسط أن سقوط الدولة العثمانية لم يكن نتيجة الضعف الداخلي وحده، بل جاء أيضا في سياق صراعاتٍ ومشاريع جيوسياسية شاركت فيها قوى دولية كبرى
فقد لعبت بريطانيا دورا مهمًّا في تفكيك الدولة العثمانية، عبر دعم بعض التمردات العربية، وتعميق الانقسامات السياسية، وتشجيع التيارات القومية التي ساهمت في إضعاف وحدة الدولة
كما تناول المؤرخ محمد كرد علي، في كتابه «خطط الشام»، الطريقة التي استغل بها الغرب حالة الضعف الداخلي في العالم الإسلامي، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية تمثل آخر كيانٍ سياسي جامع للمسلمين
اقرأ أيضًا:تضحيات مقاومي غزة من أجل المصلحة المشتركة
وبالنسبة للحركة الصهيونية العالمية، شكّل سقوط الدولة العثمانية التحول الأكبر الذي مهّد الطريق لقيام المشروع الصهيوني في فلسطين
الحربان العالميتان والنظام الدولي الجديد
لم تكن الحربان العالميتان الأولى والثانية مجرد صراعين عسكريين ضخمين غيّرا مسار القرن العشرين، بل شكّلتا لحظة فاصلة أعادت تشكيل العالم سياسيًا وجغرافيًا، وأسهمت بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة في تهيئة الطريق لقيام إسرائيل على أرض فلسطين
فمع نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأت الدولة العثمانية تفقد نفوذها تدريجيًا بعد قرونٍ من الهيمنة على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. وفي خضم هذا التحول، سارعت بريطانيا وفرنسا إلى إعادة رسم خريطة المنطقة عبر اتفاقية سايكس بيكو، التي أصبحت لاحقا رمزًا لمرحلة النفوذ الاستعماري الحديث في العالم العربي
اقرأ أيضًا:النكبة الفلسطينية.. كيف نواصل دعم فلسطين ونصرة شعبها؟
ولم تُبنَ حدود الدول الجديدة على أساس التاريخ أو الهوية الثقافية لشعوب المنطقة، بل رُسمت في كثيرٍ من الأحيان وفق حسابات المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى
وفي تلك الفترة، وُضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني بقرارٍ من عصبة الأمم، المنظمة التي أُنشئت أصلًا للحفاظ على السلم الدولي، لكنها تحولت في نظر كثير من الباحثين إلى إطار ساهم في تمهيد الطريق للمشروع الصهيوني في فلسطين
ومن خلال الانتداب، أحكمت بريطانيا سيطرتها على فلسطين، وفتحت الباب أمام موجات الهجرة اليهودية المرتبطة بالحركة الصهيونية
ثم جاء وعد بلفور عام 1917 ليمنح دعما سياسيا واضحا لفكرة إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي»، رغم أن العرب الفلسطينيين كانوا يشكلون الغالبية السكانية في البلاد آنذاك
اقرأ أيضًا:إدارة الأزمات الغذائية في تجربة نبيّ الله يوسف عليه السلام
ومنذ تلك المرحلة، بدأت جذور الصراع تتعمق بصورة متسارعة، ولم تعد القضية مرتبطة بالهجرة فقط، بل تحولت تدريجيا إلى صراع على الأرض والهوية والوجود، رافقته عمليات تهجير ومواجهات دامية ومعاناة متواصلة للفلسطينيين
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل العالم مرحلة جديدة تشكّل فيها نظام دولي تقوده القوى الكبرى، وتم تأسيس الأمم المتحدة خلفًا لعصبة الأمم، قبل أن يُعلَن قيام إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948 ويحصل على اعتراف دولي واسع
أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد مثّل ذلك التاريخ بداية فصلٍ طويل من اللجوء وفقدان الأرض والمعاناة التي ما تزال ممتدةً حتى اليوم عبر أجيال متعاقبة
وقد وجّه المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي انتقادات للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني كان من أبرز ضحايا التحولات الجيوسياسية التي شهدها القرن العشرون
اقرأ أيضًا:تاريخ الإسلام في إيران: السنّة والشيعة وتحولات الواقع المعاصر
كما يرى عدد من الباحثين أن الأمم المتحدة، التي كان يُفترض أن تكون مظلةً لحماية السلم الدولي، لعبت دورًا أساسيًا في إقرار خطة تقسيم فلسطين عام 1947، وهي الخطة التي مهّدت لاحقًا لقيام إسرائيل
الجدل حول شرعية إسرائيل
أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، في خطوةٍ استقبلتها الحركة الصهيونية العالمية باعتبارها لحظة تاريخية طال انتظارها
وبعد هذا الإعلان، شهدت فلسطين عمليات عسكرية واسعة نفذتها الجماعات الصهيونية المسلحة، رافقتها موجات تهجير كبيرة للفلسطينيين، ضمن مساعٍ لإقامة دولة يغلب عليها الطابع اليهودي. وقد عُرفت تلك الأحداث لاحقًا باسم «النكبة»، التي تحولت إلى واحدة من أكثر المحطات ألمًا في الذاكرة الفلسطينية الحديثة عام 1948
ويشير المؤرخ الإسرائيلي بني موريس، في عددٍ من كتاباته، إلى وقوع عمليات تهجير واسعة للفلسطينيين خلال تلك المرحلة، رغم اختلافه في قراءته السياسية لطبيعة تلك الأحداث وتداعياتها
لكن الجدل حول إسرائيل لا يرتبط فقط بظروف نشأتها التاريخية، بل يمتد أيضًا إلى النقاش المتواصل بشأن شرعيتها من منظور القانون الدولي
ففي إطار القانون الدولي الحديث، يفترض أن تتوافر في أي دولة مجموعة من المقومات الأساسية التي نصّت عليها اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، من بينها وجود إقليم محدد، وسكان دائمون، وسلطة ذات سيادة، إضافة إلى القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى
ومع ذلك، ما تزال مسألة الحدود النهائية لإسرائيل محل نقاش حتى اليوم، إذ لم تُحدد بصورة نهائية ومتفق عليها دوليًا منذ إعلان قيامها عام 1948
كما اتسعت المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عبر الحروب والاحتلال العسكري ومشاريع الاستيطان التي أُقيمت في الأراضي الفلسطينية
وبعد نحو عقدين من النكبة، اندلعت حرب يونيو/حزيران 1967، المعروفة بحرب الأيام الستة، والتي انتهت بسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إلى جانب أراضٍ عربية أخرى، وسط دعمٍ سياسي وعسكري من الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية
وحتى اليوم، ما تزال مشاريع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتوسع، رغم الانتقادات الواسعة التي تثيرها داخل الأوساط الدولية
يرى كثير من المراقبين أن التوسع الإقليمي عبر القوة العسكرية يُعدّ أحد أبرز أسباب الجدل المستمر حول شرعية إسرائيل
ويصف الخبير الجنوب أفريقي في القانون الدولي جون دوغارد الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بأنه أحد أشكال الاستعمار الحديث. وفي عددٍ من تقاريره ودراساته، من بينها تقريره بصفته مقررًا خاصًا حول أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أشار دوغارد إلى وجود أوجه تشابه عديدة بين السياسات الإسرائيلية ونظام الفصل العنصري الذي عرفته جنوب أفريقيا سابقًا
وبحسب دوغارد، يعيش الفلسطينيون تحت نظام يقوم على السيطرة العسكرية، وتقييد حرية الحركة، والتمييز القانوني، والاستيلاء المنظم على الأراضي
كما عبّرت منظمات حقوقية دولية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، عن مواقف مشابهة، معتبرة أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تتضمن ممارسات تمييزية ترقى بحسب توصيفها إلى نظام فصل عنصري
وتستند هذه التقييمات إلى جملةٍ من القضايا، من بينها اختلاف المعاملة القانونية، وتقييد الوصول والتنقل، والفصل بين المناطق، إضافة إلى السياسات المرتبطة بالسيطرة على الموارد، والتي يرى منتقدوها أنها تصبّ في مصلحة الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين
ومن جهتها، أكدت محكمة العدل الدولية في لاهاي أكثر من مرة أن بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة يُعد مخالفًا للقانون الدولي
وفي رأيها الاستشاري الصادر عام 2004 بشأن الجدار الفاصل في الضفة الغربية، اعتبرت المحكمة أن سياسات الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية تتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة
كما دعت قرارات عديدة صادرة عن الأمم المتحدة إلى وقف التوسع الاستيطاني، غير أن تنفيذ تلك القرارات ظل محدودًا على أرض الواقع
ومن هنا، لا يقتصر الجدل المتعلق بإسرائيل على الخلافات السياسية وحدها، بل يمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بالعدالة الدولية ومدى التزام المجتمع الدولي بتطبيق القانون بصورة متساوية
ويرى كثيرون أن المعايير القانونية الدولية لا تُطبَّق دائمًا على إسرائيل بالطريقة نفسها التي تُطبَّق بها على دول أخرى، الأمر الذي ساهم في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون الوصول إلى تسوية عادلة حتى اليوم
الصهيونية العلمانية وهوية مؤسسي إسرائيل
من الحقائق اللافتة التي قلّما تُطرح عند الحديث عن تاريخ قيام إسرائيل، أن معظم الشخصيات الرئيسية التي أسست الدولة لم تكن تنتمي إلى طبقة الحاخامات أو التيار الديني اليهودي التقليدي
فقد كان كثير من قادة الحركة الصهيونية أقرب إلى أفكار القومية الحديثة والاشتراكية الأوروبية والعلمانية، أكثر من ارتباطهم بالتعاليم الدينية اليهودية المحافظة
ويكشف ذلك أن الصهيونية، منذ نشأتها، لم تكن حركةً دينيةً خالصة، بقدر ما كانت مشروعا سياسيا حديثا وُلد في سياق صعود القوميات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر
وتُعد شخصيات مثل ثيودور هرتزل، وديفيد بن غوريون، وغولدا مائير، وبنيامين نتنياهو، من أبرز الوجوه المرتبطة بالمشروع الصهيوني، بوصفهم قادةً وناشطين سياسيين أكثر من كونهم رموزًا دينية يهودية
أما هرتزل، صاحب كتاب «الدولة اليهودية» الصادر عام 1896، فقد نشأ في بيئة أوروبية ذات طابع علماني، وكان يرى أن حلّ مشكلة التمييز ضد اليهود في أوروبا لا يتحقق عبر إحياء البعد الديني اليهودي، بل من خلال إقامة دولة قومية حديثة لليهود، وهي الفكرة التي أصبحت لاحقًا الأساس الفكري للحركة الصهيونية
وفي المقابل، عارضت جماعات يهودية أرثوذكسية عديدة المشروع الصهيوني منذ بداياته، معتبرة أن إقامة دولة يهودية قبل مجيء «المسيح المنتظر» تتعارض مع العقيدة اليهودية التقليدية
ولا تزال جماعات مثل «ناطوري كارتا» ترفض حتى اليوم الاعتراف بشرعية إسرائيل انطلاقًا من دوافع دينية، إذ ترى أن الصهيونية حركة سياسية علمانية توظف الهوية اليهودية لخدمة مشروع قومي حديث، وليست امتدادًا خالصًا لتعاليم التوراة
ويعكس هذا الجدل حقيقة أن العلاقة بين اليهودية باعتبارها دينًا، والصهيونية بوصفها أيديولوجيا سياسية، لم تكن منسجمة بالكامل منذ البداية
ومن جهة أخرى، تأثر مؤسسو إسرائيل إلى حدٍّ كبير بالأفكار الاشتراكية الأوروبية التي كانت حاضرة بقوة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ويُعد نظام «الكيبوتس»، القائم على المجتمعات الزراعية الجماعية، من أبرز النماذج التي عكست ذلك التأثر في السنوات الأولى لقيام إسرائيل
وكان ديفيد بن غوريون معروفًا بقربه من الحركات العمالية وتيارات «الصهيونية الاشتراكية»، حيث حضرت مفاهيم بناء الدولة والهوية القومية الحديثة في خطاباته بصورة أوضح من الرموز الدينية اليهودية التقليدية
ولهذا يرى عدد من المؤرخين أن المشروع الإسرائيلي في بداياته كان أقرب إلى حركة قومية علمانية منه إلى دولة دينية بالمعنى التقليدي
ويُعد المفكر اليهودي الأمريكي نورمان فنكلشتاين من أبرز الأصوات التي انتقدت توظيف الهوية اليهودية في تبرير السياسات المرتبطة بالصهيونية. ففي كتابه «صناعة الهولوكوست» تناول الطريقة التي استُخدمت بها مأساة الهولوكوست وخطاب معاناة اليهود من أجل منح شرعية سياسية للمشروع الصهيوني
ورغم الجدل الواسع الذي أثارته مواقف فنكلشتاين داخل الأوساط اليهودية، فإنها فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول العلاقة المعقدة بين الهوية اليهودية والمشروع السياسي الصهيوني
كما طرح المؤرخ اليهودي شلومو ساند، في كتابه «اختراع الشعب اليهودي»، تساؤلات نقدية بشأن الرواية التاريخية التي تصوّر اليهود باعتبارهم جماعة عرقية موحدة تمتلك تلقائيًا حقًا سياسيًا في فلسطين
وتكشف أطروحات شلومو ساند عن حجم الجدل الفكري القائم داخل الأوساط اليهودية نفسها بشأن الصهيونية والهوية القومية وشرعية إسرائيل
أما الفيزيائي اليهودي ألبرت أينشتاين (1879 ـ 1955)، فقد عُرف أيضًا بانتقاداته لبعض التوجهات المرتبطة بالمشروع الصهيوني، وقد عبّر عن تلك المواقف في رسائل وتصريحات أثارت نقاشًا واسعًا آنذاك
ومن بين تلك الرسائل، ما وُجّه إلى شِبرد ريفكين، المدير التنفيذي لمنظمة «أصدقاء مقاتلي حرية إسرائيل»، حيث أبدى أينشتاين قلقه من تصاعد العنف المرتبط ببعض الجماعات اليهودية المسلحة، محذرًا من التداعيات الإنسانية التي قد تشهدها فلسطين

إلى السيد شِبرد ريفكين
المدير التنفيذي لمنظمة «أصدقاء مقاتلي حرية إسرائيل»
149 Second Avenue, New York 3, N.Y
حضرة السيد المحترم
«إذا شهدت فلسطين يومًا كارثة إنسانية، فإن بريطانيا ستتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية عنها، كما تتحمل التنظيمات المسلحة التي خرجت من بين صفوفنا نحن اليهود جزءًا آخر من تلك المسؤولية
ولا أودّ أن أرى أحدًا يتعاون مع أولئك المجرمين ومرتكبي أعمال العنف»
مع خالص التحية،
ألبرت أينشتاين
وبعد سبعة أشهر، وقّع أينشتاين إلى جانب 29 شخصية أمريكية بارزة رسالةً مفتوحة نُشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 1948، تحت عنوان
«حزب فلسطين الجديد: زيارة مناحيم بيغن وأهداف الحركة السياسية»
وانتقدت الرسالة تأسيس حزب «حيروت» في إسرائيل، وكذلك زيارة مناحيم بيغن إلى الولايات المتحدة، حيث رأى الموقّعون أن بعض توجهات الحزب وأساليبه السياسية تثير مخاوف من النزعات القومية المتشددة، كما أشارت الرسالة إلى ارتباط الحزب بجماعات مسلحة اتُّهمت آنذاك بممارسة أعمال عنف
ومن هنا، يرى عدد من الباحثين أن الصهيونية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد حركة دينية، بل بوصفها مشروعًا تشكّل عند تقاطع القومية الحديثة، والتأثيرات الاستعمارية الأوروبية، والهوية الإثنية، والمصالح السياسية الدولية، مع توظيف الرموز والذاكرة التاريخية اليهودية في بناء خطابه السياسي
كما أن انتماء عدد كبير من مؤسسي إسرائيل إلى أوساط علمانية يعكس بوضوح أن المشروع الصهيوني حمل منذ بداياته أبعادًا سياسية واضحة تجاوزت الإطار الديني التقليدي
العالم في مواجهة الظلم
رغم أن القضية الفلسطينية تمتد لعقود طويلة، فإن الوعي العالمي بمعاناة الفلسطينيين شهد تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد الحرب على غزة عام 2023 وما خلّفته من دمارٍ واسع وخسائر إنسانية كبيرة
وفي السابق، كانت الرواية المرتبطة بفلسطين تُقدَّم إلى حدٍّ كبير عبر وسائل إعلام غربية تتبنى الرواية الإسرائيلية، لكن المشهد تغيّر مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، حيث باتت الأجيال الجديدة تمتلك مصادر متنوعة للمعلومات، وتتابع بصورة مباشرة مشاهد القصف والدمار ومعاناة المدنيين في فلسطين
وقد انعكس ذلك في موجة واسعة من التظاهرات المؤيدة لفلسطين، التي شهدتها مدن عديدة حول العالم، من لندن ونيويورك وباريس إلى إسطنبول وجاكرتا. كما امتدت الاحتجاجات إلى عدد من الجامعات الأمريكية الكبرى، حيث تصاعدت الدعوات المطالبة بالتضامن مع الفلسطينيين وإعادة النظر في السياسات الغربية تجاه الصراع
ويرى كثير من المحللين أن هذا التحول يعكس صعود جيلٍ أكثر حساسية تجاه قضايا الاستعمار وحقوق الإنسان والعدالة الدولية
وكان المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي قد أشار، في عدد من كتاباته ومنها كتاب «المثلث المشؤوم»، إلى أن الدعم الغربي لإسرائيل ارتبط، لسنوات طويلة، بتأثير الإعلام التقليدي وشبكات النفوذ السياسي في تشكيل الرأي العام. إلا أن هذا التأثير بدأ يتراجع تدريجيًا مع التحولات التي فرضها العصر الرقمي
كما برزت أشكال أخرى من التضامن العالمي مع الفلسطينيين، من بينها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي تأسست عام 2005، وتهدف إلى ممارسة ضغط اقتصادي وأكاديمي وثقافي على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال واحترام الحقوق الفلسطينية
وفي كتابه «المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات: النضال العالمي من أجل الحقوق الفلسطينية»، أوضح الناشط الفلسطيني عمر البرغوثي أن الحركة تقوم على مبادئ المقاومة المدنية السلمية والتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني
كما تجلت مظاهر التضامن العالمي من خلال المبادرات الإنسانية والفعاليات الشعبية الداعمة لغزة، بمشاركة ناشطين وفنانين ورياضيين وشخصيات عامة من مختلف أنحاء العالم، في مشهدٍ عكس اتساع موجة التضامن العالمي مع الفلسطينيي
ومن الأمثلة التي لفتت الانتباه مؤخرًا، إظهار لاعب برشلونة الشاب لامين يامال تضامنه مع فلسطين خلال احتفالات فريقه، في مشهدٍ عكس الحضور المتزايد للقضية الفلسطينية داخل الأوساط الرياضية والشبابية العالمية
ويشير هذا التحول إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد تُطرح باعتبارها قضية سياسية أو دينية فحسب، بل بوصفها قضية ترتبط بالعدالة والكرامة الإنسانية
كما يرى الباحث الإعلامي بيرس روبنسون أن العصر الرقمي أضعف احتكار الدول الكبرى ووسائل الإعلام التقليدية لتشكيل الرأي العام الدولي، وهو ما ساهم في تزايد حالة التشكيك داخل الرأي العام الغربي تجاه المعايير المزدوجة في التعامل مع القضية الفلسطينية
الأزمات الداخلية في إسرائيل
في المقابل، تواجه إسرائيل أزمات داخلية متشابكة تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. فحالة الانقسام السياسي المستمرة، والاستقطاب الحاد بين التيارات العلمانية والدينية، إلى جانب الخلافات بين اليمين القومي والتيارات الليبرالية، كلها عوامل باتت تشكل تحديًا متزايدًا للاستقرار الداخلي
وخلال السنوات الأخيرة، دخلت إسرائيل في أزمات سياسية متكررة أدت إلى إجراء انتخابات متعاقبة خلال فترات زمنية قصيرة، في مشهدٍ عكس حجم الانقسام داخل الساحة السياسية الإسرائيلية
ويشير ذلك إلى أن إسرائيل، رغم صورتها كقوة عسكرية كبرى في المنطقة، تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا داخلية متصاعدة تنعكس على استقرارها السياسي والاجتماعي
كما فرضت الحروب المستمرة أعباء اقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري، واستدعاء قوات الاحتياط، وتراجع الاستثمارات في بعض القطاعات، إلى جانب التأثيرات التي خلّفها التوتر الأمني المستمر على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية
ولا تقتصر التداعيات على الجوانب السياسية والاقتصادية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى البعد الاجتماعي والنفسي، حيث نشأت أجيال كاملة في أجواء من القلق الدائم والخوف من الحروب والهجمات المتكررة
وكان عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ قد أشار، في كتابه «الإبادة السياسية: حرب أرييل شارون ضد الفلسطينيين»، إلى أن الصراع المستمر لا يترك آثاره على الفلسطينيين وحدهم، بل ينعكس أيضًا على البنية الأخلاقية والنفسية داخل المجتمع الإسرائيلي
كما أوضح المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم، في كتابه «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي»، أن إسرائيل تأسست منذ البداية على مفهوم الأمن والتفوق العسكري باعتبارهما ركيزة أساسية في سياساتها
لكنه يرى في الوقت ذاته أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يكفي لصناعة سلام طويل الأمد، في ظل استمرار القضايا السياسية والتاريخية العالق
في نهاية المطاف، يُظهر التاريخ الطويل لقيام الكيان الصهيوني الإسرائيلي أنه نشأ وسط دوامةٍ من الاستعمار، والحروب العالمية، والتجاذبات الجيوسياسية، مع تجاهلٍ واضح لحقوق الشعب الفلسطيني. فمن وعد بلفور، إلى تقسيم فلسطين من قِبل الأمم المتحدة، وصولًا إلى مأساة النكبة، كل ذلك خلّف جراحًا عميقة ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم
وأما أهل الإيمان، فإنهم يوقنون بأن الظلم لا يدوم، وأن الاحتلال مهما طال أمده فله نهاية، وأن سنن الله في التاريخ جارية على جميع الأمم دون استثناء. وقد أشار الله تعالى إلى سنّته في هلاك الظالمين في قوله سبحانه من سورة الإسراء [17: 16-17]:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
وقد بيَّن الإمام ابن كثير رحمه الله أن هلاك الأمم يبدأ عندما يفسد قادتها وأهل الترف فيها، فيغرقون في الظلم والفساد والمعاصي، ويقودون مجتمعاتهم إلى الانحلال والخراب، فتستحق الأمة حينئذٍ عقاب الله تعالى
كما أن التاريخ يشهد بأن أممًا كثير سقطت بسبب ظلمها وطغيانها وابتعادها عن قيم العدل والحق، وهي سنّة إلهية لا تتبدل ولا تتغير
وَاللّٰهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
::












Mina Indonesia
Mina Arabic