SCROLL TO CONTINUE WITH CONTENT

السلام في فلسطين يعني السلام في العالم

ADVERTISEMENT

SCROLL TO CONTINUE WITH CONTENT

تاريخ الإسلام في إيران: السنّة والشيعة وتحولات الواقع المعاصر

Saturday, 14 March 2026 - 13:47 WIB

33 Views ㅤ

Dini Istiqomah - Saturday, 14 March 2026 - 13:47 WIB

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

                             بقلم: إمام يخش الله منصور
قال الله سبحانه وتعالى:

﴿الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾

(الروم: 1–3)

اقرأ أيضًا:حفل أندريا بوتشيلي بين حقوق الإنسان ونصرة فلسطين

وأوضح ابن كثير رحمه الله في تفسيره أن هذه الآيات نزلت في سياق الحرب الكبرى التي دارت بين الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) والإمبراطورية الفارسية. ورغم أن اسم فارس لم يرد صراحة في نص الآية، فإنها تشير إلى انتصار الفرس على الروم في تلك المرحلة من الصراع.

وتدل هذه الآيات على أن الإسلام منذ بداياته نظر إلى فارس بوصفها جزءا مهما من خريطة الحضارة العالمية. فلم تكن فارس في التاريخ الإسلامي مجرد منطقة هامشية أو “أقل شأنا”، بل شكّلت أحد أبرز مراكز الثقافة والحضارة في التراثين الكلاسيكي والحديث.

ومن جانبه يرى سيد قطب وعدد من المفسرين المعاصرين أن هذه الآيات تعكس حقيقة تحولات موازين القوى في العالم، وأن تغيّر بنية القوة الدولية ظاهرة تتكرر عبر التاريخ، وتجري جميعها بعلم الله تعالى وتقديره.

في سياق تاريخ السلطة، تُبيّن هذه الآيات أن التحولات الكبرى في موازين العالم كثيرًا ما تقع خارج توقّعات البشر، لكنها تجري ضمن تقدير الله الذي وسعت حكمته كل شيء.

اقرأ أيضًا:استقبال شهر التضامن مع فلسطين

فالنصر والسلطة لا يتحددان بالقوة العسكرية وحدها، بل يخضعان قبل ذلك لإرادة إلهية تدبّر مسار التاريخ الإنساني. وهذه الحقيقة تذكّرنا، نحن المسلمين على وجه الخصوص، بأن أي قوة في العالم ليست مطلقة ولا خالدة.

وفي هذا السياق، يوضح العالِم من جنوب آسيا، أبو الحسن علي الندوي رحمه الله،  في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين

أن تاريخ العالم يتحرك دائما ضمن دورات حضارية متعاقبة؛ إذ قد تبلغ أمة أو قوة ما ذروة مجدها، ثم تبدأ في الضعف، لتخلفها قوة أخرى أكثر استعدادا من الناحية الأخلاقية والفكرية والروحية.

ومن هنا، فإن فهم التاريخ لا يقتصر على قراءة تسلسل الأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك العِبر الكامنة وراء حركة الحضارات الإنسانية.

اقرأ أيضًا:أبو أيوب الأنصاري.. مُلهِم فتح القسطنطينية

وفي سياق التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يعكس موقف إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل إصرار تلك الدولة على عدم الخضوع لضغوط قوى الهيمنة العالمية، وتمسكها بالدفاع عن سيادتها وكرامة وطنها، رغم ما تواجهه من تحديات وضغوط كبيرة.

الحضارة الفارسية وتكامل الإسلام وإسهامات المسلمين السنّة

ازدهرت الحضارة الفارسية بالفعل قبل مجيء الإسلام بقرون. فقد شهدت تلك المنطقة تقدمًا ملحوظًا في مجالات الثقافة والعلوم ونُظم الإدارة والحكم، في الوقت الذي بدأ فيه الإسلام ينتشر في شبه الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي.

وشكّل فتح بلاد فارس، الذي جرى على مراحل منذ عهد الخليفة عمر ابن الخطاب (634–644م)، محطة تاريخية التقت فيها حضارتان كبيرتان، وأسهم ذلك في نشوء سلسلة من التحولات الفكرية داخل الحضارة الإسلامية.

اقرأ أيضًا:قراءة في توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا من منظور أُولي الألباب

ولم تكن هذه التحولات نتاج القوة العسكرية وحدها، بل جاءت أيضًا نتيجة التفاعل الاجتماعي والثقافي بين العرب والفرس، وهو تفاعل استمر عبر أجيال متعددة وأسهم في إثراء التجربة الحضارية الإسلامية.

بدأ حضور الشخصيات المسلمة الفارسية منذ عهد الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه (توفي سنة 39هـ)، ثم تتابعت بعده أسماء بارزة من العلماء الذين ينتمون إلى المذهب السني، وهو ما يعكس كيف ازدهرت الحضارة الإسلامية في تلك البلاد.

ومن بين هؤلاء العلماء يبرز أيو حميد الغزلي (1058–1111م)، وهو عالم مسلم سني وُلِد في مدينة طوس – الواقعة اليوم في إيران – وصاحب الكتاب الشهير إحياء علوم الدين  ، الذي يُعد حتى اليوم من أهم المراجع في مجالات الأخلاق والتصوف والفكر الإسلامي.

ولم يقتصر تأثير مؤلفات الغزالي على الأوساط السنية في عصره، بل أسهمت أيضًا في وضع أسس منهجية لدراسة الروحانيات والممارسة الدينية في مختلف المدارس الفقهية.

اقرأ أيضًا:مرةً أخرى.. العلاقات الإندونيسية الفلسطينية

وإلى جانب الغزالي، يبرز كذلك فخر الدين الرازي (1149–1210م)، الذي وُلِد في مدينة الري بفارس، وكان أحد أبرز علماء الكلام والفلاسفة السنة في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى.

ومن خلال مؤلفاته في علم الكلام والتفسير والفلسفة، مثل كتب التفسير الكبير، لم يكتف فخر الدين الرازي بإثراء التراث العلمي الإسلامي، بل أبرز أيضًا ملامح التقليد السني الذي يجمع بين العقلانية وروح النقد العلمي. وقد أصبحت أفكاره مرجعًا واسع الانتشار خارج بلاد فارس، وأثّرت في عدد كبير من العلماء في مختلف أقاليم العالم الإسلامي.

ومن الأعلام الآخرين الذين برزوا في هذا السياق أبو القاسم الرافعي (1160–1226م)، الذي عُرف بغزارة مؤلفاته في علوم الفقه والحديث، ما يعكس حيوية التقليد العلمي السني وقوته في بلاد فارس آنذاك.

كما يُعد ابن سينا (980–1037م)، المعروف في الغرب باسم «أفيسينا»، من أبرز الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في الفلسفة والطب. فقد أسهم إسهامًا كبيرًا في تطوير مباحث الميتافيزيقا والعلوم الطبيعية، وهي إسهامات امتد تأثيرها إلى فلاسفة المسلمين وإلى المفكرين في أوروبا خلال العصور الوسطى.

اقرأ أيضًا:كرة القدم والدين.. صوتان في دعم القضية الفلسطينية

وعلى الرغم من أن اهتمام ابن سينا تجاوز الإطار الضيق لعلم اللاهوت، فإن مؤلفاته لعبت دورًا مهمًا في النظام التعليمي الإسلامي الكلاسيكي، الذي سعى إلى الجمع بين المعارف الدينية والنزعة العقلية في آن واحد.

ويُظهر حضور هؤلاء العلماء أن تقاليد المسلمين المنتمين إلى المذهب السني كانت راسخة الجذور في بلاد فارس، إذ شكّلت ركيزة أساسية في المشهد الفكري لقرون طويلة، وذلك قبل بروز الهيمنة السياسية للمذهب الشيعي في العصور اللاحقة.

ومن شأن هذه الحقيقة التاريخية أن تعيد تشكيل النظرة السائدة لدى من يعتقد أن فارس كانت منذ بدايتها دولة شيعية؛ فالواقع التاريخي يشير إلى أن تلك البلاد كانت يومًا من أهم المراكز التي انطلقت منها الأفكار السنية وأسهمت في تطور الحضارة الإسلامية.

التحول من السنّة إلى الشيعة في سياق السياسة وبناء الدولة

اقرأ أيضًا:تضحيات مقاومي غزة من أجل المصلحة المشتركة

إن تحوّل الهوية الدينية في بلاد فارس من التقليد السني إلى هيمنة المذهب الشيعي يُعد ظاهرة تاريخية ارتبطت إلى حدٍّ كبير بالسياق السياسي. فرغم أن الجماعات الشيعية كانت موجودة في مراحل مبكرة من تاريخ الإسلام في فارس، فإنها لم تكن التيار الغالب في تلك البلاد آنذاك.

وبحسب ما ورد في Encyclopaedia Britannica، فإن نقطة التحول الكبرى جاءت نحو عام 1501م، عندما أسّس Shah Ismail I الدولة الصفوية، وأعلن المذهب الشيعي الإمامي مذهبًا رسميًا في بلاد فارس.

ولم يكن هذا القرار مجرد تحوّل ديني، بل كان أيضًا استراتيجية سياسية تهدف إلى بناء هوية إقليمية واضحة تميّز الدولة الصفوية عن محيطها الذي كانت تسوده الهيمنة السنية.

وفي هذا السياق، عملت الدولة الصفوية على إنشاء مؤسسات دينية وتعليمية، إضافة إلى تنظيم طقوس عامة تستند إلى المذهب الشيعي، ما أدى تدريجيًا إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية في البلاد، وإزاحة التقاليد السنية التي كانت مزدهرة في فارس عبر قرون.

اقرأ أيضًا:مقاضاة الدولة الصهيونية الإسرائيلية

وشمل هذا التحول خطبة الجمعة، وصيغة الأذان، والمقررات التعليمية في المدارس الدينية، إضافة إلى الكتب المعتمدة في التدريس، حيث جرى تكييفها جميعًا بما يتوافق مع العقيدة الشيعية في إطار بناء هوية وطنية جديدة.

ومن بين الشخصيات التي أسهمت في ترسيخ هذا التحول محمد باقر المجلسي الذي عُيّن في منصب شيخ الإسلام خلال عهد الشاه سلطان حسين في أواخر القرن السابع عشر. وقد لعب دورا بارزا في تعزيز هذا التوجه من خلال الحدّ من الممارسات الدينية التي عُدّت غير متوافقة مع تعاليم الشيعة الإمامية.

ويُعد المجلسي أحد أبرز المهندسين لترسيخ الهوية الشيعية للدولة، عبر برامج التعليم والدعوة، إضافة إلى تأليف عدد من الكتب والنصوص التي أصبحت لاحقًا مراجع مهمة لدى علماء الشيعة.

ومع ذلك، فإن قوة الهيمنة المؤسسية للمذهب الشيعي في إطار الدولة آنذاك لم تعنِ اختفاء الوجود السني من تلك البلاد بصورة كاملة. فقد حافظت بعض الجماعات العرقية، مثل التركمان والعرب والأكراد، على تقاليدها السنية حتى اليوم.

اقرأ أيضًا:النكبة الفلسطينية.. كيف نواصل دعم فلسطين ونصرة شعبها؟

كما تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن التقاليد السنية ظلت حاضرة في عدد من السياقات المحلية حتى القرن السابع عشر، وهو ما يترك آثارًا واضحة من التعددية الدينية التي لا يمكن محوها بسهولة عبر سردية الهيمنة الواحدة

اختزال الصراع إلى “سنّة مقابل شيعة” في حرب إيران والولايات المتحدة–إسرائيل

يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط Graham E. Fuller أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة يرتبط بدرجة أكبر بالتنافس على النفوذ الإقليمي ورفض الهيمنة الغربية في منطقة الشرق الأوسط.

وبحسب فولر، فإن اختزال هذا الصراع في إطار مواجهة بين السنّة والشيعة يُعد خطأً تحليليًا قد يضلّل فهم الرأي العام لطبيعة الديناميات الجيوسياسية، التي هي في الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.

اقرأ أيضًا:إدارة الأزمات الغذائية في تجربة نبيّ الله يوسف عليه السلام

وفي السياق ذاته، عبّر المفكر اليهودي المناهض للصهيونية نعوم تشومسكي عن رأي مشابه، إذ يرى أن التوتر بين طهران وواشنطن يتعلق أساسًا بالصراع السياسي وتوازنات القوة، إضافة إلى التنافس على النفوذ في المنطقة.

ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط ولي النصر مؤلف كتاب The Shia Revival أن الصراع الدائر في الشرق الأوسط بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد يتخذ أحيانًا طابعًا لاهوتيًا، لكنه في جوهره يتعلق أكثر بالتنافس على السلطة والنفوذ الإقليمي والسيطرة على المجال الجغرافي في المنطقة.

وفي المقابل، تميل كثير من وسائل الإعلام الدولية إلى تبسيط هذا الصراع عبر تصويره بوصفه «حربًا بين السنّة والشيعة». ورغم أن هذا الطرح يجذب الانتباه العالمي لسهولة استيعابه من الناحية العاطفية، فإنه يظل – في نظر عدد من الباحثين – تبسيطًا غير دقيق من الناحيتين التاريخية والتحليلية.

ومن جهته، أكد الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسس (توفي عام 2024) في تصريحات سابقة أن التوتر بين إيران وإسرائيل لا يرتبط بقضية الدفاع عن فلسطين بقدر ما يتعلق بمسألة سيادة الدولة.

وبالمثل، فإن المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ترتبط بدرجة أكبر بعوامل تتعلق بالمصالح الاستراتيجية، والموارد، والتنافس الأيديولوجي، وتوازنات القوة، إضافة إلى شبكات التحالفات الدولية، أكثر من ارتباطها بخلفيات دينية مباشرة.

ومن هنا، فإن فهم التاريخ بصورة شاملة يساعد على إدراك الكيفية التي تتفاعل بها العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية في تشكيل واقع معقد كالذي يشهده العالم اليوم

لذلك، فإن النظر إلى الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من زاوية «سنّة مقابل شيعة» يُعد تبسيطا مخلّا لا ينسجم مع السياق التاريخي. فذلك الصراع يتأثر بدرجة أكبر بالتنافس على المصالح الاستراتيجية العالمية، وبالصراع على النفوذ الإقليمي، إضافة إلى مقاومة الهيمنة الدولية.

وفي هذا الإطار، تُفسَّر المواجهة التي تخوضها إيران بوصفها جزءا من حسابات تتعلق بسيادة الدولة، وأمن المنطقة، وتوازنات الهيمنة الإقليمية، فضلا عن موقعها الجيوسياسي في النظام العالمي المعاصر، أكثر من كونها صراعا دينيا، أو معركة مرتبطة بالدفاع عن المسجد الأقصى أو القضية الفلسطينية.

ومن ثمّ، فإن فهم التاريخ فهما شاملا يمكن أن يساعد المسلمين على قراءة واقع الصراعات بقدر أكبر من الموضوعية، بما يجنبهم الوقوع في فخ السرديات الطائفية التي قد تؤدي إلى تفكيك وحدة الأمة في ظل عالم يزداد تعقيدا.

والله أعلم بالصواب

توصيات لك