بقلم: الإمام يحيى الله منصور
كُتب هذا المقال على تلة بالقرب من ضريح أبي أيوب الأنصاري في إسطنبول، تركيا.
قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في رواية عن بِشر الغنوي:
لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ (رواه الحاكم)
اقرأ أيضًا:حفل أندريا بوتشيلي بين حقوق الإنسان ونصرة فلسطين
في ذلك الصباح، بدت إسطنبول وكأنها مدينة تفتح صفحة جديدة من صفحات تاريخها. ومن على تلة لا تبعد كثيرًا عن مجمع ضريح أبي أيوب الأنصاري، امتدّ البصر بحرية ليشمل أرجاء المدينة التي تُعرف اليوم بأنها إحدى مراكز الحضارة العالمية.
وفي الأسفل، كانت الحياة تمضي كالمعتاد؛ فالمركبات تعبر الطرقات، والسفن تشقّ طريقها عبر مضيق البوسفور الذي يفصل بين قارتين، فيما تقف مآذن المساجد شامخة بين المباني الحديثة.
وخلف صخب إسطنبول اليوم، تختزن المدينة آثار رجل عاش قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وخلّف قصة تبدو وكأنها لم تُطوَ صفحاتها بعد
اسم أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. فلم يكن سلطانًا، ولا قائدًا عسكريًا، بل توفي قبل أن تتحقق تلك الغاية. غير أن هذا هو تحديدًا ما يجعل قصته متميزة. فقد قدم إلى القسطنطينية في سن متقدمة، وقضى ما تبقى من حياته في إحدى الحملات، ثم دُفن بالقرب من المدينة التي لم ينجح في فتحها.
اقرأ أيضًا:استقبال شهر التضامن مع فلسطين
وبعد ثمانية قرون، قدم السلطان محمد الفاتح إلى المدينة نفسها، وتمكن من فتح أبواب القسطنطينية. وبين الحدثين اللذين تفصل بينهما مئات السنين، خيط ناظم يربط بين الطموح والتضحية والنصر الذي تحقق في نهاية المطاف على أيدي جيل تال
قصة أبي أيوب في المدينة المنورة
كان أبو أيوب رجلًا من يثرب، واسمه خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي. وينتمي إلى بني النجار، إحدى قبائل الخزرج في المدينة المنورة.
وكان من الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية. ففي تلك الليلة التاريخية، أعلن المسلمون القادمون من يثرب إيمانهم، وتعهدوا بحمايته إذا هاجر إلى مدينتهم.
اقرأ أيضًا:قراءة في توجيهات المؤتمر الثامن للمسلمين في إندونيسيا من منظور أُولي الألباب
ثم أثبت أبو أيوب صدق ذلك العهد في حياته. فعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصل إلى المدينة المنورة، أصبح بيت أبي أيوب مسكنًا له في بداية إقامته بالمدينة، إلى أن اكتمل بناء المسجد النبوي وبيته صلى الله عليه وسلم
كان ذلك البيت البسيط يحمل بلا شك ذكريات لا يمكن أن تُعوَّض بالنسبة إلى أبي أيوب. ففيه أتيح له أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، وأن يسمع كلامه، ويتأمل عاداته، ويعيش بصورة مباشرة كيف يتجسّد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياة الصحابي.
ومن المدينة المنورة، واصلت مسيرة أبي أيوب في نصرة الإسلام تطورها. فقد لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد من الغزوات، وسجّل التاريخ مشاركته في غزوات بدر وأحد، إلى جانب عدد من السرايا والحملات الأخرى. وشهد كيف نمت الجماعة المسلمة الصغيرة التي تأسست في المدينة المنورة، حتى أصبحت قوة قادرة على تغيير وجه الجزيرة العربية.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاصر أبو أيوب فترات خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، حين واصلت الدولة الإسلامية توسعها إلى ما وراء الجزيرة العربية. ولم تدفعه تحولات الزمن إلى الابتعاد عن حياة الأمة، بل ظل مشاركًا في مختلف ميادين نصرة المسلمين.
اقرأ أيضًا:مرةً أخرى.. العلاقات الإندونيسية الفلسطينية
وفي كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»، أورد ابن حجر العسقلاني رحمه الله روايات متعددة عن حياة أبي أيوب. وتكشف مسيرته عن شخصية صحابي امتلك عزيمة راسخة على مواصلة بذل الخير والنفع للدين والأمة.
رحلة طويلة نحو القسطنطينية
قاد ذلك الحماس أبا أيوب في نهاية المطاف إلى خوض رحلة طويلة من المدينة المنورة نحو أراضي الدولة البيزنطية. وفي عهد معاوية بن أبي سفيان، خرج المسلمون في حملة باتجاه القسطنطينية، وكان أبو أيوب في صفوفهم، رغم تقدمه في السن، إذ كان قد بلغ نحو ثمانين عاما.
كانت القسطنطينية آنذاك عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، ومدينة ذات تحصينات وأسوار شديدة القوة، فضلا عن موقعها الاستراتيجي الذي جعلها أحد أبرز مراكز التجارة والسياسة في العالم. وللوصول إليها، كان على الجيش أن يقطع مسافات طويلة ويواجه تحديات عديدة.
اقرأ أيضًا:كرة القدم والدين.. صوتان في دعم القضية الفلسطينية
وبالنسبة إلى أبي أيوب، لم تكن الرحلة مجرد حملة عسكرية، بل كانت القسطنطينية جزءا من طموح كبير للأمة، ترسّخ منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كان يؤمن بالبشارة بفتح تلك المدينة، وأراد أن يكون له نصيب من الجهاد في سبيل تحقيق ذلك الطموح.
غير أن الأجل كان له كلمة الفصل. وعندما اشتد عليه المرض ودنا أجله، أوصى أبو أيوب بأن يُحمل به إلى أقرب موضع ممكن من القسطنطينية. فإذا استطاع الجيش مواصلة التقدم، حُمل جسده إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها، وإن تعذر ذلك، دُفن في المكان الذي بلغته الحملة.
وتكشف هذه الوصية عن مدى تحول ذلك الطموح إلى جزء من مسيرة حياته حتى اللحظات الأخيرة. ثم توفي أبو أيوب ودُفن بالقرب من القسطنطينية.
لم يرَ أبو أيوب فتح المدينة، ولم يشهد راية النصر وهي ترفرف فوق أسوارها. غير أن التاريخ حمل قصته بعد ذلك إلى فصل جديد
اقرأ أيضًا:تضحيات مقاومي غزة من أجل المصلحة المشتركة
إرث لا يتوقف عند ضريح
لم يقتصر إرث أبي أيوب في إسطنبول على قصة الحملة التي اتجهت إلى القسطنطينية، بل نشأت حول ضريحه مؤسسات ومرافق تعليمية واجتماعية مختلفة، من بينها المدارس والمكتبات ودور لإطعام المحتاجين ومرافق لخدمة المجتمع.
وبذلك، لم يُخلَّد اسم أبي أيوب من خلال جهاده فحسب، بل أيضا عبر تقاليد حضارية جمعت بين العبادة والعلم وخدمة المجتمع.
ثم اكتسبت منطقة أيوب مكانة خاصة في التاريخ العثماني، وأصبح ضريح أبي أيوب أحد الرموز المهمة للحياة الدينية والسياسية في الدولة العثمانية. بل كان للسلاطين تقليد يتمثل في إقامة مراسم تقلّد السيف في أيوب عقب اعتلائهم العرش.
اقرأ أيضًا:مقاضاة الدولة الصهيونية الإسرائيلية
ولذلك، عندما يزور المرء اليوم مجمع أيوب سلطان، فإنه لا يجد أمامه مجرد ضريح عتيق، بل يجد فضاء تاريخيا تلتقي فيه الدعوة والعلم والعبادة والجهاد والحضارة.
وهنا يمكننا أن ندرك أن تأثير الشخصية لا يُقاس دائمًا بمدى ترديد اسمها أو بحجم السلطة التي امتلكتها في حياتها، فقد ترك أبو أيوب أثرا عميقًا، ولا سيما من خلال ما قدّمه من نموذج يُحتذى به في حياته
دروس لأجيال اليوم
عندما أرّخ ابن حجر العسقلاني لسيرة أبي أيوب في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة»، أظهر لنا صورة صحابي ظلّ حاضرًا في مسيرة الجهاد والعطاء حتى تقدّم به العمر.
اقرأ أيضًا:النكبة الفلسطينية.. كيف نواصل دعم فلسطين ونصرة شعبها؟
ومن هذه القصة، يمكن للأجيال اليوم أن تدرك أن التقدم في العمر أو محدودية القدرة لا ينبغي أن يكونا سببًا للتوقف عن بذل الخير والنفع. فلكل إنسان مجال للعطاء وخدمة الدين والأمة، بحسب ما وهبه الله من قدرات.
ولم تكن رسالة أبي أيوب كلماتٍ تُقال في خطاب طويل، بل تجلّت في مسيرة حياته نفسها؛ فقد فتح بيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذل جهده في سبيل الدعوة، وشارك في مختلف ميادين الجهاد، ثم قطع رحلة طويلة نحو القسطنطينية.
وتعلّمنا قصته أيضًا أن ثمار الجهد لا يشترط أن يجنيها من بدأه. فقد يُتاح للإنسان أن يزرع، بينما يمنح الله الجيل الذي يليه فرصة مواصلة المسيرة وجني ثمار ذلك الجهد.
وتزداد أهمية هذا الدرس في زمن تُقاس فيه النجاحات غالبًا بما تظهر ثماره سريعًا. فقد أثبت أبو أيوب أن قيمة العطاء لا تتوقف على أن يعيش الإنسان حتى يرى ثماره أو لا يراها.
اقرأ أيضًا:إدارة الأزمات الغذائية في تجربة نبيّ الله يوسف عليه السلام
لم يعد أبو أيوب الأنصاري إلى بلاده حاملًا راية النصر، لكنه ترك ما هو أبقى من نصر عابر: نموذجًا يُحتذى في الوفاء لمسيرة الجهاد والعطاء حتى آخر لحظة من حياته.
ولعلنا لا نرى أبدًا ثمار الجهود التي نبذلها اليوم، لكننا، كما فعل أبو أيوب، نستطيع أن نترك بذورًا تنمو يومًا ما على أيدي الأجيال التي تأتي بعدنا.
فعندما نغادر هذه الدنيا يومًا، لن يبقى معنا عدد النجاحات التي عشنا لنستمتع بها، وإنما سيبقى أثر الخير الذي تركناه ليواصل حمله من يأتون بعدنا.
لقد ترك أبو أيوب ذلك الأثر. فقد توفي قبل أن يرى فتح القسطنطينية، لكن اسمه ظل حيًا، شاهدًا على أن الطموحات التي تُبنى على الإيمان وتُصان بالتضحية لا تموت.
اقرأ أيضًا:تاريخ الإسلام في إيران: السنّة والشيعة وتحولات الواقع المعاصر
وكالة مينا للأنباء












Mina Indonesia
Mina Arabic